
أوروبا التي لا تتردد في إبداء ما يجب من حماس في اتخاذ قرارات حاسمة ومهمة في بعض القضايا الداخلية والمحيطة بها جهويا، ليست هي أوروبا التي تبدي خنوعا ورضوخا مذلا في كثير من القضايا العالمية التي تقبض بأنفاس العالم.. فأوروبا التي سارع كثير من دولها في الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ رزمة جديدة من القرارات في قضية الهجرة، وصلت مستويات غير مسبوقة في تاريخ البشرية الحديث، سواء كدول قطرية أو في إطار الاتحاد الأوروبي، بما يترجم استقلالية حقيقية في سيادية القرارات، هي نفسها أوروبا التي تبدو خنوعة في قضايا وازنة تهم حاضر ومستقبل، ليس شعوب دول القارة العجوز، بل شعوب العالم.
وهكذا، وفي فترة وجيزة جدا، تسابقت حكومات دول أوروبية كثيرة في حلبة التصدي للهجرة، باتخاذ قرارات واعتماد قواعد جديدة في التعامل مع المهاجرين غير النظاميين، تميزت بالصرامة والتشدد وصل حد وقف الدعم عن عمليات إنقاذ المهاجرين غير النظاميين الذين يتعرضون إلى خطر الموت في أعماق البحار أثناء محاولتهم الوصول إلى التراب الأوروبي، في سابقة لم يكن يعتقد أشد المعارضين لسياسة الهجرة الأوروبية أنها ستحدث في يوم من الأيام.
هذا الحماس في اتخاذ القرارات الأوروبية السيادية يخفت حينما يتعلق الأمر بقضايا وأزمات عالمية تقبض بأنفاس العالم، وتصبح حكومات الدول الأوروبية عاجزة عن امتلاك القدرة على تأثيرها في هذه القضايا بما يؤكد استقلالية سيادية القرار الأوروبي المزعوم بما في ذلك قضايا وأزمات مشتعلة في عمق القارة الأوروبية، ليس أقلها الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت منذ أكثر من ست سنوات، والتي تمثل أكبر تحدٍ لاختبار قوة وصلابة استقلالية القرار الأوروبي في مواجهة أقوى خطر تتعرض له القارة العجوز ما بعد سقوط جدار برلين.. في هذه الأزمة غاب القرار الأوروبي المستقل وحضر القرار الخارجي الأمريكي بالخصوص، وسلمت حكومات الدول الأوروبية مفاتيح إدارة هذه الأزمة للإدارة الأمريكية وقبلت بأن يقتصر دورها على ما يشبه جيبًا يمد الرئيس الأمريكي يده في أعماقه ليخرج من المال ما يقدره لازمًا لاستمرار هذه الحرب الملتهبة.
وحينما قررت الإدارة الأمريكية إشعال فتيل نيران جديدة من خلال شن العدوان على إيران قبل شهور من اليوم، بما مثّل منعطفا حاسما في الأوضاع العالمية كانت ولا تزال وستظل له تداعيات قوية على دول القارة العجوز وعلى مصالحها الداخلية والخارجية، ليس في المنطقة فقط بل في العالم بأسره، غاب القرار السيادي الأوروبي مرة أخرى، وبدت حكومات الدول الأوروبية رهينة طيعة لقرارات خارجية صادرة عن البيت الأبيض الأمريكي، وسلمت بالأمر الواقع، واكتفت بالتباكي على ما يحدث.
قبل ذلك فتكت قوات الاحتلال الإسرائيلي بأرواح العشرات من آلاف المواطنين المدنيين وأعطبت مئات الآلاف ودمرت جميع معالم الحياة في غزة، وكان الاحتلال الاسرائيلي ولا يزال مسنودا بتغطية أمريكية كاملة وشاملة، وأجبرت دول الاتحاد الأوروبية على مباركة ما اقترف، وغاب القرار السيادي الأوروبي.
وهكذا لم يبد أثر للقرار الأوروبي المستقل في التعامل مع كثير من القضايا الجهوية والعالمية الساخنة، ومع الأزمات الملتهبة في العالم، بينما لم تتردد في إصداره ما قدرته ملائمًا من قرارات في قضايا أخرى أقل شأنا ووزنا وتأثيرا.
إنها ليست أوروبا التي لم تكن الشمس تغيب عنها والتي انتشرت امبراطوريتها في العالم تتحكم في تفاصيل القرارات العالمية خلال حقب طويلة من تاريخ البشرية، إنها أوروبا اليوم التي تغطي عن عجزها وضعفها باتخاذ قرارات ضد أشخاص بسطاء دفعت بهم قساوة العيش إلى المقامرة بحياتهم .