رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حاتم سلمان فنان شامل ورائد في المسرح والتلفزيون والسينما


المشاهدات 1091
تاريخ الإضافة 2026/08/29 - 9:14 PM
آخر تحديث 2026/08/30 - 8:09 AM

 الفنان الرائد حاتم سلمان يعدُّ من رواد الفن المسرحي، والتلفزيوني، والسينمائي بما قدم من شخصيات بغدادية، وله تاريخ ثري بالأعمال المسرحية في المسارح الشعبية، يجده المخرجون الشخصية التي لا منافس لها، وهذا ما جعله يشارك في كل أعمال الفرق المسرحية التي انتمى إليها، استطاع أن يضع له بصمة، ولونًا فنيًا خاصًا به... 


ومن منا لا يتذكر الشخصية الشهيرة الشعبية الجارفة «حسين أبو ليرة» في مسلسل «جرف الملح» وهي شخصية ريفية محورية اتسمت بالعمق والواقعية، فقد نال حاتم سلمان شعبية هائلة بسبب هذا الدور لدرجة أن الكتيبة العسكرية التي كان ينتسب إليها أثناء الخدمة أطلقت عليه اسم شخصيته «حسين أبو ليرة»، وظل الجمهور يناديه بهذا الاسم لسنوات طويلة بعد عرض المسلسل.
ولد الفنان الراحل حاتم سلمان في بغداد، وسكن محلة المشاهدة في الكرخ.. خريج الدراسة الإعدادية، دخل عالم الفن سنة 1961 عن طريق مسرحية “مملكة السمك” التي عُرضت على خشبة مسرح كلية التربية في بغداد، وبعدها انضم إلى فرقة 14 تموز ليشارك في جميع أعمالها، ثم انتقل إلى دائرة السينما.. بدأ نشاطه الفني منذ كان عمره 12 عاماً، حيث كان يجمع رفاقه من أبناء الحي، ويقوم بتوزيع أدوار المسرحية التي يكتبها بنفسه، وعمل مسرحاً صغيراً في محلة المشاهدة بالكرخ، ومعظم ما كتبه كان يدور في إطار هادف، وكوميدي. كان أيضاً يقوم بعمل بطاقات الدعوة، وبيعها إلى عوائل المحلة التي غالباً ما تعجب بأفكاره، وتحفزه على الاستمرار.
أما سيرته في المسرح فتشكل جزءا مهما من تاريخ المسرح الجاد في العراق. غير أن الحدث الأهم في حياته المسرحية قد وقع عام 1965 يوم تم فيه تأسيس فرقة 14 تموز.. كان ذلك الحدث قد انطوى على الولادة الحقيقية للفنان الكبير حاتم سلمان الذي صاره لديه من رصيد مسرحي يومها بعد دخوله إلى الحاضنة المسرحية التي هي أشبه بمنجم ألماس، كون فرقة مسرح 14 تموز التي تعد واحدة من أعرق وأهم الفرق المسرحية الأهلية في تاريخ الفن العراقي، تأسست عقب التحولات الثقافية التي شهدها العراق، ولعبت دوراً محورياً في صياغة ملامح «المسرح الشعبي الهادف».. فقد تأسست الفرقة عام 1959 (عقب ثورة 14 تموز 1958 التي سميت تيمناً بها)، وكان المؤسسون الأوائل: من رواد الفن، أبرزهم الفنان القدير أسعد عبد الرزاق (الذي تولى لاحقاً عمادة معهد وكلية الفنون الجميلة) والفنان وجيه عبد الغني.. لم تقتصر بدايتها على خشبة المسرح فقط، بل بدأت بتقديم سلسلة تمثيليات شهيرة لتلفزيون بغداد بعنوان «ألف ليلة وليلة»، التي نالت شهرة واسعة ولعب فيها وجيه عبد الغني دور «شهريار». أما أبرز أعضاء ورواد الفرقة التي ضمت نخبة من كبار نجوم الفن العراقي الذين أثروا الساحة الفنية لعقود، ومنهم: بهنام ميخائيل ومحمد علي هادي. قاسم الملاك وقائد النعماني. فوزي مهدي وصادق علي شاهين. حاتم سلمان وفاضل جاسم. سناء سليم والدكتور عزيز شلال عزيز.
تميزت الفرقة بالهوية الفنية والأسلوب بـ الخط الكوميدي والاجتماعي الناقد القريب من هموم المواطن العراقي البسيط، واعتمدت في عروضها على توظيف التراث العراقي البيئي والبغدادي بأسلوب شعبي ناضج، مبتعدة عن الإسفاف، مما جعل أعمالها محفورة في الذاكرة الجمعية للعراقيين.
فقدمت الفرقة عشرات المسرحيات الناجحة التي استمر عرض بعضها لأسابيع طويلة، مثل «جزة وخروف» شارك فيها معظم نجوم الفرقة «الدبخانة» من أشهر مسرحياتهم، إخراج أسعد عبد الرزاق، و»مملكة الشحاذين» 1984عمل اجتماعي ناقد بنكهة شعبية، و«خان بطران» التي حققت نجاحاً تجارياً وفنياً كبيرا، و“كملت السبحة» من إخراج وجيه عبد الغني، و«حب في الدبخانة» وهي من أواخر الأعمال الكبيرة التي قدمتها الفرقة، فكان هناك من حولها اسعد عبد الرزاق وقاسم الملاك وفخري الزبيدي، لذلك فقد شكلت مسرحية «الدبخانة» نقطة تحول كبرى للفنان حاتم سلمان كونها وثقت أولى نجاحاته الجماهيرية الواسعة مع فرقة مسرح 14 تموز، عبر شخصية «أبو نزار» مصرّحا في لقاءاته الصحفية بأنه يعتز جداً بتجسيده شخصية (أبو نزار) في مسرحية «الدبخانة»، واعتبرها الدور الأقرب إلى قلبه على خشبة المسرح.
ومسرحية « الدبخانة « التي لاتزال عالقة بجيل أحب المسرح عُرضت المسرحية لأول مرة عام 1967 على خشبة المسرح القومي، وهي من تأليف علي حسن البياتي وإخراج الفنان القدير أسعد عبد الرزاق. وتدور أحداث المسرحية داخل بيئة شعبية واقعية (موقع دباغة الجلود)ـ وتناولت الصراعات الاجتماعية والاقتصادية الكامنة بين العمال الكادحين وأصحاب العمل، بأسلوب كوميدي ساخر ونقد لاذع يمس البنية الطبقية للمجتمع البغدادي آنذاك. محققةً نجاحاً لافتاً بسبب صدق بيئتها البغدادية وتلاحم الحوار مع نبض الشارع، وتمت إعادة تصويرها وعرضها تلفزيونياً في سنوات لاحقة (مثل نسختي 1980 و1982) لتظل حاضرة في أرشيف التلفزيون العراق.
وفيما يخص تنوعه المسرحي، فبعد نجاحه في «الدبخانة»، واصل حاتم تقديم العروض الناجحة مع الفرقة مثل «إيدك بالدهن» (1969)، «جفجير البلد» (1970)، و»جزة وخروف» (1971).الانتقال للفرقة القومية: بفضل تميزه الأدائي، انتقل لاحقاً للعمل مع «الفرقة القومية للتمثيل» التابعة لدائرة السينما والمسرح، وقدم معها روائع مسرحية جادة ذات طابع تاريخي وملحمي مثل مسرحية «كالكامش» (1978) ومسرحية «مقامات أبي الورد».  البصمة التلفزيونية والسينمائية: كان في  التزامه بأدوار «الأب الموجه والمثالي»، حفر اسمه في ذاكرة المشاهد من خلال مسلسل «جرف الملح» (الذي نال فيه شهرة واسعة جداً)، ومسلسل «ذئاب الليل» (1990)، بجانب أعمال سينمائية رائدة كفيلم «الجابي» (1968) وفيلم «المسألة الكبرى» (1982) الذي أُنتج عام 1983 وأخرجه المخرج العراقي الكبير محمد شكري جميل، أضخم إنتاج في تاريخ السينما العراقية. وقد شارك فيه الراحل حاتم سلمان ضمن نخبة من كبار نجوم العراق إلى جانب الممثل العالمي البريطاني أوليفر ريد.. كان أداء حاتم سلمان ضمن سياق  الدور في الفيلم الذي ركز على أحداث «ثورة العشرين» ضد الاحتلال البريطاني، مميزا، فقد وظّف المخرج محمد شكري جميل الطاقات الأدائية لحاتم سلمان في تقديم إحدى الشخصيات المساندة التي تمثل نبض الشارع العراقي والعشائري؛ حيث عُرف سلمان بقدرته الفائقة على تجسيد الشخصيات الوقورة والملتزمة التي تخدم الخط الدرامي والوطني للعمل. فقد انسجم أداء حاتم سلمان مع البناء العام للفيلم الذي قاده الراحل غازي التكريتي (في دور الشيخ ضاري المحمود)ـ والفنانون يوسف العاني، وسامي قفطان، وفاطمة الربيعي، وطالب الفراتي.
قيمة التجربة الفنية: شكّل الفيلم قفزة نوعية في مسيرة حاتم سلمان السينمائية بسبب الاحتكاك بخبرات عالمية (مثل طاقم التصوير والمؤثرات الخاصة والممثلين الأجانب)، حيث تم تصوير المشاهد الحربية والمعارك بإمكانيات هوليوودية ضخمة وسط ظروف إنتاجية وتاريخية معقدة للغاية في ثمانينيات القرن الماضي.
ولابد هنا ان نعرج لدوره المهم بفيلم «النهر» الذي يُعد (عُرض في صالات السينما أول مرة مطلع عام 1977، واشتُهر سينمائياً في عروض عام 1978) أحد العلامات البارزة في مسيرة السينما العراقية الواقعية. 
الفيلم من إخراج وسيناريو المخرج الكبير فيصل الياسري، وصاغ الحوار له الشاعر والإعلامي الراحل زهير الدجيلي، وهو مأخوذ عن رواية «النهر والرماد» للكاتب محمد شاكر السبع. 
قصة الفيلم وأبعاده الاجتماعية: تدور أحداث الفيلم في بيئة ريفية جنوبية ترتبط مباشرة بـ «عالم صيادي الأسماك الكادحين» على ضفاف النهر. 
الصراع الأساسي: يُسلط الفيلم الضوء على الصراع الطبقي العميق بين الصيادين البسطاء الذين يواجهون شظف العيش، وبين الإقطاعي الجشع.
مشاركة الفنان حاتم سلمان: شكّل الفيلم امتداداً لتميز الفنان حاتم سلمان في تقديم الأدوار الواقعية ذات الأبعاد الإنسانية الواضحة: الأداء الواقعي الذي يلاءم أسلوب سلمان الهادئ والوقور مع طبيعة الفيلم التي تميل إلى الواقعية وتوثيق حياة المجتمع العراقي المعاش. فقد انصهر أداؤه ضمن مجموعات الصيادين وأهل القرية الذين يمثلون الفئة الكادحة والمستغَلّة، فكان صوته في الفيلم تجسيداً لرفض الظلم والتمسك بالأرض والنهر.
طاقم العمل والإنتاج: تميز الفيلم بإنتاج ضخم من قِبل «المؤسسة العامة للسينما والمسرح»، وكان أول فيلم عراقي مأخوذ عن عمل أدبي منشور ومطبوع. 
وجمع الفيلم توليفة فريدة من رواد الفن والشباب: شارك في البطولة نخبة من كبار النجوم مثل أسعد عبد الرزاق، وسامي قفطان، وقائد النعماني، وهناء محمد، وسوسن شكري، وكريم عواد، وفوزي مهدي، وصادق علي شاهين. 
وقد تعمّد المخرج الرحل الكبير  فيصل الياسري في لمسة وفاء للرواد: إشراك رواد ومؤسسي الفن العراقي في الفيلم كنوع من التكريم والتقدير لتاريخهم، وعلى رأسهم الفنان الرائد حقي الشبلي نقيب الفنانين. فيما أدار التصوير السينمائي باحترافية الفنان نهاد علي، بينما تولى المونتير القدير صاحب حداد عملية المونتاج، ووضع الموسيقى التصويرية فائق حنا.
لذلك فالفنان الرائد الراحل حاتم سلمان دخل عالم الفن سنة 1961 عن طريق مسرحية «مملكة السمك»؛ التي عرضت على خشبة مسرح كلية التربية في بغداد، وبعدها انضم إلى فرقة 14 يوليو/تموز؛ ليشارك في جميع أعمال الفرقة ومن ثم انتقل إلى دائرة السينما، ويعد الراحل من الممثلين العراقيين الرواد في السينما والمسرح والتلفزيون وله أعمال كثيرة جدا ، كما يعد الراحل من الممثلين العراقيين الذين أعادوا الحياة إلى المسرح بعد 2003 ، بعد الغزو الأميركي حيث قام بتقديم عروضه المسرحية في أحد المساجد القريبة من سكناه في بغداد، كما كان حريصا على جعل الممثلين العراقيين يواصلون تقديم أعمالهم بعد الاحتلال، لأنه كان يؤمن بأن العمل الفني هو رسالة يجب أن تستمر تحت أي ظرف .
لذلك انتمى الرائد الكبير حاتم سلمان الى اتجاهات وأساليب متعددة في ادواره وشخصياته متأثرا جدا بالمسرح الكوميدي العراقي والعربي، وكثيرا ما كان يتحدث عن خليل شوقي وخليل الرفاعي، متمنيا  الوصول الى ذلك الاضحاك الذي يثير الرغبة للنقد الاجتماعي وربما السياسي وكل ما يحيط بالأوضاع العامة في العراق. 
ومن المعروف ان المسرح الكوميدي الذي بدا كاتجاه وأسلوب درامي جنبا الى جنب المأساة في اليونان القديمة، في الاحتفالات الدينية المتعلقة بإله الخصوبة (ديونيسيوس)، وقد قامت في بدايتها على الارتجال، وفرّق أرسطو بينها وبين المأساة باعتبار أنّ المأساة كُتبت لتعبّر عن الملاحم والرّجال العُظماء.. فقد تطوّرت الكوميديا في المسارح العربية مرورا بصناع المسرح، وللكوميديا في المسرح العراقي خصائص عديدة متنوعة تجعلها مضحكة مرغوبة لدى الناس، ومن هذه الخصائص: استخدام التورية في اللغة تقوم اللغة في المسرح الكوميدي على نوعٍ من التورية والتّلاعب بالألفاظ، ذلك الأسلوب الحواريّ المحمّل بأفكار غير مباشرة عن موقف معين تعالجه المسرحية، والغرض من ذلك خَلق نكتة ومُلحة تكشفها الشخصيات من خلال الحوار، وأحيانًا يُستخدم الجسد كلغة موازية للفُكاهة بحيث تُوصِل الشخصيات أفكارًا ذات طابع فكاهيّ من خلال الإيماء والإشارة باليدين أو الرأس أو تعابير الوجه، طرح موضوعات حساسة غالبًا ما تطرح الكوميديا في المسرح أفكارًا تقع في دائرة المحظور والمحرّم.
قدم الفنان حاتم سلمان الكثير من الاعمال المسرحية أكثر من نصفها كوميديا والاخر تراجيدي جاد، ومن اعماله المسرحية: مملكة السمك عام 1961 قدمت على مسرح كلية التربية.. يعوقه الحرامي يأخذه فتاح الفأل لفرقة مسرح 14 تموز على المسرح القومي.. الدبخانة عام 1967 وقدمت على خشبة المسرح القومي.. ايدك بالدهن عام 1969.. جفجير البلد عام 1970 عرس واوية عام 1969،  جزة وخروف عام 1971  ، مملكة الشحاذين عام 1984. ومع انتاجات الفرقة القومية للتمثيل المسرحية: الحصار عام 1971 على خشبة المسرح القوم، الطوفان عام 1972 على خشبة المسرح القومي، البيك السائق عام 1973 على خشبة المسرح القومي، الرجل الذي لم يحارب عام 1974 ، شيرين وفرهاد عام 197 ، جيش الربيع عام 1976، كالكامش عام 1978 ، صور عائلية عام 1978، الملحمة الشعبية عام 1980 ، جزيرة فرودين عام 1980 على مسرح الخيمة، نشيد الارض عام 1974 على خشبة المسرح القومي، ناس وناس عام 1985 على خشبة المسرح الوطني، مقامات ابي الورد عام 1985، روميو وجوليت، الصبي الخشبي عام 1972 على المسرح الوطني، طير السعد عام 1970 ، جرم صاحب المعالي عام 1979، صوت النخل عام 1971 ، قرندل عام، حكاية العطش1984 ، حفلة سمر من اجل حزيران، النجمة البرتقالي،  مجالس التراث .
أما مع المسارح الاهلية فشارك في مسرحيات: ليلة ويوم 1991 فرقة عشتار على مسرح المنصور، بيت الطين فرقة عشتار على مسرح عشتار، حرامي السيدية مسرح دار السلام ومسرح الرشيد، الخشابة مسرح دار السلام ، حافي ومتعافي مسرح دار السلام، ألف عافية مسرح دار السلام، خمسة بالمصيدة مسرح عشتار. مضارب العرسان مسرح المنصور، ليالي الفحامة فرقة مسرح النجاح ، اشجابرك على المر المسرح العربي .
وبالرغم من ادواره الكوميدية لكنه يتواجد بالمسرح الجاد في اعمال تشكل علامات مضيئة في مسيرة المسرح العراقي، فهو لا يتردد بالمشاركة في مسرحيات المسرح التجاري لان العاملين فيه جاؤوا في ظروف غير طبيعية فأصابوا عافية المسرح بالصميم، هدفهم الأساس هـــــو السعي وراء الكسب المادي فقط وعلى حساب الفن الأصيل بسبب الظروف غير الطبيعة. توفي الفنان حاتم سلمان بتاريخ 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2010 عن عمر يناهز الـ 68 عاما ، بعد معاناة مع مرض عضال تعرض له في الأشهر الأخيرة ، وأجبره على الرقود في مستشفى مدينة الطب في بغداد ، وأجريت له عملية جراحية، لكن حالته الصحية تدهورت، وفارق الحياة بعد أيام من إجرائها.. لروحه الرحمة والمغفرة تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.


تابعنا على
تصميم وتطوير