
إن الحديث عن واقع الرياضة العراقية ومستقبلها لا يمكن أن يتجاهل تأثير قانون نقل الصلاحيات، وما ترتب عليه من انتقال عدد من الصلاحيات المتعلقة بمديريات الشباب والرياضة والمنتديات إلى المحافظات، في إطار توجه الدولة نحو تعزيز اللامركزية الإدارية وتقريب الخدمات من المواطنين.
وبعيداً عن الجدل حول مبدأ اللامركزية بحد ذاته، فإن السؤال الأهم الذي يستحق النقاش اليوم هو: هل انعكس نقل الصلاحيات فعلاً على تطوير قطاعي الشباب والرياضة؟ أم أنه أسهم في تعدد مراكز القرار وتباين آليات العمل والسياسات بين محافظة وأخرى؟
فالرياضة ليست نشاطاً محلياً محدوداً بحدود المحافظة، وإنما منظومة وطنية مترابطة، تحتاج إلى رؤية استراتيجية موحدة، خصوصاً في ملفات اكتشاف المواهب، ورعاية الرياضيين، وتطوير المنشآت الرياضية، وإقامة البطولات، وتأهيل الملاكات، واستثمار البنى التحتية، ووضع الأولويات التنموية.
ومن هنا، فإن المشكلة لا تكمن بالضرورة في اللامركزية، وإنما في كيفية تطبيقها وتحديد حدودها. فاللامركزية الإدارية يفترض أن تمنح المحافظات مساحة أوسع لإدارة شؤونها المحلية وتحسين مستوى الخدمات، لكنها لا تعني إلغاء الدور الاتحادي في رسم السياسة العامة ووضع المعايير الوطنية وضمان وحدة التوجه في القطاعات ذات الطبيعة الاستراتيجية.
وفي القطاع الرياضي تحديداً، فإن تعدد مراكز القرار من دون تنسيق مؤسسي واضح قد يؤدي إلى تفاوت في الإمكانات والبرامج، واختلاف في الأولويات، وربما تداخل في الاختصاصات، بما ينعكس في النهاية على جودة الأداء واستدامة المشاريع الرياضية. لذلك، تبدو الحاجة اليوم ماسة إلى مراجعة تجربة نقل الصلاحيات في قطاع الشباب والرياضة، ليس بهدف إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإنما لتقييم ما تحقق، وتشخيص مكامن الخلل، وإعادة تنظيم العلاقة بين الوزارة والمحافظات على أساس واضح من الاختصاص والمسؤولية والتنسيق.
فالغاية من اللامركزية ليست أن تعمل كل محافظة بمعزل عن الأخرى، بل أن تعمل جميع المؤسسات ضمن رؤية وطنية واحدة، بأدوار موزعة ومسؤوليات محددة. إن الرياضة العراقية بحاجة إلى وحدة في الاستراتيجية، ومرونة في التنفيذ، ووضوح في الصلاحيات. وعندما تتكامل اللامركزية مع التخطيط الوطني، تصبح وسيلة للتطوير؛ أما عندما تتحول إلى تعدد في الرؤى ومراكز القرار، فإنها قد تنتج تشظياً بدلاً من الإنجاز.
السؤال اليوم ليس: من يمتلك الصلاحية؟ بل: هل توظَّف الصلاحية لصناعة رياضة عراقية أكثر كفاءة وإنجازاً؟.