
في عام 1928 ولد خضر الياس في بغداد وسط بيئة شعبية عرفت بحيويتها الفنية وتنوعها الثقافي. وتذكر مصادر مختلفة أنه ولد في منطقة صبابيغ الآل فيما تشير الروايات المتداولة إلى ارتباط مولده بسوق الغزل في جانب الرصافة. وكان خضر الياس ضريرا غير أن فقدان البصر لم يكن حاجزا أمام موهبته بل ربما دفعه إلى الإصغاء بصورة أعمق إلى الأصوات والإيقاعات والأنغام من حوله.
نشأ في بغداد التي كانت الموسيقى فيها جزءا من الحياة اليومية وكانت المقامات العراقية حاضرة في المقاهي والبيوت والمجالس والاحتفالات. وفي تلك البيئة بدأ يتشكل وعيه الموسيقي الأول قبل أن تتحول الموهبة إلى مشروع فني طويل ترك أثرا واضحا في تاريخ الموسيقى العراقية.
وكان من الأصوات التي أثرت في وجدانه الفني صوت المطرب الكبير محمد القبانجي الذي كان يومها واحدا من أبرز أعلام المقام العراقي. وقد وجد خضر الياس في المقام مساحة واسعة للتعبير عن موهبته وفي الناي وسيلة قادرة على ترجمة دقائق المقام وروحه إلى نغم حي.
البداية مع الناي
بدأ خضر الياس طريقه في تعلم الموسيقى في منتصف أربعينيات القرن العشرين. وتورد بعض المصادر أن انخراطه في الوسط الفني كان عام 1946 أو 1947 فيما تشير مصادر أخرى إلى تعيينه في الإذاعة والتلفزيون عام 1950. وتؤكد هذه الروايات مجتمعة أن النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين كان مرحلة التحول الأساسية في حياته الفنية.
وكان للشيخ علي الدرويش الحلبي دور مهم في تكوينه الموسيقي وتعليمه أصول العزف على آلة الناي. ولم يكن تعلم الناي بالنسبة إلى خضر الياس مجرد تمرين على إخراج النغم من قصبة صغيرة وإنما كان بحثا عن روح المقام وعن المسافات الدقيقة بين درجاته وعن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها النفس إلى جملة موسيقية نابضة بالحياة.
ومع مرور الوقت أخذت شخصيته الفنية تتبلور حتى أصبح من أمهر عازفي الناي في العراق. وقد وصفته مصادر موسيقية بأنه كان يجيد العزف بروحية المقام وروحية الغناء الريفي بدقة واضحة الأمر الذي جعله واحدا من أبرز الأسماء التي ارتبطت بآلة الناي في العراق.
الإذاعة بوابة الشهرة
كانت الإذاعة العراقية في تلك المرحلة واحدة من أهم المؤسسات التي أسهمت في صناعة النجوم الموسيقيين والمطربين. ومن خلالها استطاع خضر الياس أن يصل إلى جمهور واسع وأن يثبت حضوره بين كبار العازفين.
وانضم إلى الفرق الموسيقية التي رافقت برامج الإذاعة وأصبح الناي الذي يعزفه جزءا من المشهد الصوتي العراقي. ولم يكن حضوره مجرد حضور عازف يؤدي ما يطلب منه بل كان يمتلك شخصية موسيقية خاصة جعلت المستمع يتعرف إلى صوته حتى من دون أن يعرف اسم العازف.
وتذكر مصادر عن تاريخ الموسيقى العراقية أن فرقة موسيقية خاصة بالإذاعة تشكلت عام 1949 برئاسة جميل بشير وضمت خضر الياس على الناي ومنير بشير على العود وحسين عبد الله على الطبلة وخضير الشبلي على القانون. وتكشف هذه التشكيلة عن المكانة التي كان قد وصل إليها خضر الياس في تلك المرحلة المبكرة من مسيرته.
الناي يتحول إلى صوت للمقام
لم يكن خضر الياس يتعامل مع الناي باعتباره آلة مرافقة فقط بل جعله أداة أساسية في التعبير عن المقام العراقي. وقد أتقن تقاسيم المقام وأظهر قدرة على الانتقال بين الأنغام والمقامات بروح عارفة بطبيعة الموسيقى العراقية.
وتشير التسجيلات المتداولة لعزفه إلى اهتمامه بمقامات مثل الصبا والحجاز والرست والبيات وغيرها. وهذه التسجيلات لا تمثل مجرد وثائق صوتية لعازف قديم وإنما تقدم صورة عن أسلوب أدائي كان ينتمي إلى مرحلة مهمة من تاريخ الموسيقى العراقية. وكانت آلة الناي في يديه تبدو وكأنها تتحدث بلغة خاصة. يخرج الصوت منها رقيقا ثم يتسع تدريجيا ليحمل إحساس المقام ويقترب من روح الغناء. ولهذا أصبح اسمه مرتبطا في الذاكرة العراقية بصورة العازف الذي استطاع أن يمنح الناي شخصية مستقلة داخل الفرقة الموسيقية.
رفيق ناظم الغزالي
ارتبط اسم خضر الياس بصورة خاصة بالمطرب الكبير ناظم الغزالي. فقد رافقه في عدد من أعماله وحفلاته وجولاته الفنية وأصبح جزءا من التشكيل الموسيقي الذي ارتبط بصوت الغزالي.
وكان الغزالي نفسه مهتما بالعازفين والموسيقيين ولم ينظر إليهم باعتبارهم مجرد مرافقين للمطرب. وقد عثر الباحثون في مكتبته على دفتر يحمل عنوان طبقات العازفين والموسيقيين من عام 1900 إلى عام 1962 وبدأ فيه بالحديث عن عدد من الموسيقيين ومن بينهم خضر الياس. ويذكر الغزالي في ملاحظاته أن خضر الياس ولد في صبابيغ الآل وأنه انخرط في الفن عام 1946 أو 1947 وأن آلته الأساسية هي الناي.
وتكشف هذه الملاحظات عن تقدير الغزالي للعازفين وعن اهتمامه بتوثيق تاريخ الموسيقى العراقية. كما تؤكد أن خضر الياس كان من الأسماء التي رأى فيها الغزالي قيمة فنية تستحق التسجيل والتوثيق.
وفي إحدى المحطات المهمة من مسيرة الغزالي الخارجية كان خضر الياس حاضرا معه. ففي رحلة الغزالي إلى الكويت عام 1963 لاحظ الغزالي وجود كبار الفنانين العرب ومن بينهم محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة ووديع الصافي. وكان خضر الياس عازف الناي في فرقته في تلك الرحلة. أستاذ العازفين وذاكرة الأجيال
لم تتوقف أهمية خضر الياس عند ما قدمه في الحفلات والإذاعة وإنما امتد أثره إلى عازفين جاءوا بعده. فقد أشارت مصادر موسيقية إلى أن مجموعة من عازفي الناي العراقيين تأثروا بأسلوبه ومن بينهم فائق حنا وحكمت داود وعدنان السيد. وهكذا تحول خضر الياس من عازف يبحث عن مكانه في الوسط الفني إلى مدرسة في الأداء. كان العازفون يستمعون إلى طريقته ويتابعون قدرته على الإمساك بالنغم وعلى بناء الجملة الموسيقية وعلى الجمع بين روح المقام العراقي وروح الغناء الريفي.
وفي بغداد كان الوسط الموسيقي آنذاك يقوم على اللقاءات والتجارب والمجالس الفنية. وتشير شهادات عن الموسيقيين العراقيين إلى أن خضر الياس كان يشارك في جلسات التدريب والعزف إلى جانب أسماء كبيرة مثل سالم حسين الأمير وخزعل فاضل وعزت نعيم وخضير الشبلي ورضا علي.
صوت حاضر في رمضان
كان الناي الذي يعزفه خضر الياس حاضرا في الذاكرة الإذاعية العراقية بصورة خاصة. وكانت إذاعة بغداد تقدم مقاطع موسيقية من عزفه ضمن برامجها وهو ما جعل صوته مألوفا لدى المستمع العراقي.
وفي شهر رمضان والمناسبات الدينية كان للناي حضور خاص في البرامج الإذاعية التي كانت تستعيد المقامات والألحان القديمة وتقدمها إلى الجمهور. ومن هنا ارتبط صوت خضر الياس في ذاكرة كثير من العراقيين بأجواء بغداد القديمة وبلياليها الهادئة وبصوت الإذاعة الذي كان يصل إلى البيوت حاملا رائحة المقام وروح المدينة.
ولعل هذه العلاقة بين الناي والإذاعة والمقام هي التي جعلت خضر الياس واحدا من الفنانين الذين لم تقتصر شهرتهم على جمهور الموسيقى المتخصص بل امتدت إلى المستمع العادي الذي ربما لم يكن يعرف اسم العازف لكنه كان يعرف صوته.
بين الفن والتلحين والسفر
لم يكن نشاط خضر الياس محصورا بالعزف على الناي فقد نسبت إليه بعض المصادر تلحين عدد من الأغاني للمطربين والمطربات ووضع قطع موسيقية خاصة. كما رافق بعض المطربين في سفراتهم إلى عدد من البلدان العربية الأمر الذي أتاح له الاحتكاك ببيئات موسيقية مختلفة.
وكان هذا السفر جزءا من حركة الفنان العراقي في تلك المرحلة حين بدأت الأغنية العراقية تتجاوز حدودها المحلية وتصل إلى الجمهور العربي. وكان وجود عازف يمتلك خبرة واسعة بالمقام العراقي إلى جانب المطربين العراقيين عاملا مهما في الحفاظ على الهوية الموسيقية للأداء خلال تلك الرحلات.
أمير الناي
لم تأت تسمية خضر الياس بأمير الناي من فراغ. فقد كان الناي بالنسبة إليه أكثر من آلة موسيقية. كان امتدادا لصوته الداخلي ووسيلته للتعبير عن إحساسه بالمقام وبالإنسان وبالبيئة التي نشأ فيها.
وقد استطاع أن يجعل من آلة بسيطة مكونة من قصبة وثقوب صوتية عالما واسعا من النغم. وكان يعتمد على حسه الموسيقي وعلى دقة السمع وعلى خبرة طويلة تراكمت من مجالسة كبار الموسيقيين والاستماع إلى المقامات ومرافقة المطربين.
لقد كان خضر الياس واحدا من أولئك الفنانين الذين لم يبحثوا عن الأضواء بقدر ما بحثوا عن النغمة الصحيحة. ولذلك بقي اسمه مرتبطا بالموسيقى العراقية حتى بعد رحيله.
الرحيل وبقاء الصوت
رحل خضر الياس عام 1998 بعد حياة امتدت سبعين عاما تقريبا قضى القسم الأكبر منها في خدمة الموسيقى العراقية. وغاب الجسد وبقي الناي شاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ الفن العراقي.
ترك وراءه تجربة موسيقية امتدت من بغداد القديمة إلى الإذاعة ومن المقام العراقي إلى الحفلات العربية ومن جلسات الموسيقيين إلى التسجيلات التي ما زالت تتداول حتى اليوم.
وحين نستمع إلى تقاسيمه اليوم فإننا لا نسمع مجرد عازف ناي من زمن مضى بل نسمع بغداد وهي تتنفس من خلال الناي ونسمع المقام العراقي وهو ينتقل من جيل إلى آخر ونسمع صوت فنان ضرير استطاع أن يرى الموسيقى بقلبه وسمعه وأن يحول الناي إلى ذاكرة.
لقد كان خضر الياس من نجوم العراق الذين صنعتهم الموهبة والصبر والمثابرة. وكان واحدا من الحراس الذين حفظوا روح المقام العراقي في زمن كانت فيه الموسيقى تنتقل من المشافهة إلى الإذاعة ومن المجالس الشعبية إلى المسارح والحفلات.
ولهذا فإن استعادة سيرته اليوم ليست استعادة لاسم عازف قديم فحسب وإنما هي استعادة لجزء من تاريخ العراق الموسيقي ولزمن كان الناي فيه قادرا على أن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله.