
في شارع المتنبي لا تمشي فوق أرضٍ عادية، فكل خطوة يمكن أن توقظ كتاباً قديماً أو تستدعي وجهاً من وجوه بغداد الثقافية أو تعيد إلى الذاكرة صوت ورّاق كان يقف خلف رفوفه منتظراً قارئاً يبحث عن كتاب. هنا تبدو الأرض نفسها وكأنها تحفظ ما مرّ عليها من أقدام المثقفين والطلاب والشعراء والكتاب، الذين جعلوا من هذا الشارع موعداً أسبوعياً مع المعرفة. لم يكن شارع المتنبي مجرد سوق للكتب، بل تحول مع الزمن إلى ذاكرة ثقافية مفتوحة لبغداد. وعلى مقربة منه كان سوق السراي واحداً من أهم مراكز الكتب والمكتبات والوراقين، قبل أن تتغير وظائفه تدريجياً وتغلب عليه تجارة القرطاسية. وتشير المصادر إلى أن الملا خضر كان من أبرز الذين أسهموا في تحويل سوق السراي إلى مركز للكتب، قبل أن تتكاثر المكتبات ويصبح المكان شرياناً للحياة الثقافية البغدادية. ومن ذاكرة شارع المتنبي تخرج أسماء مكتبات لم تكن تبيع الكتب فقط، وإنما كانت تصنع حولها حياة كاملة. مكتبة المثنى لصاحبها قاسم محمد الرجب كانت لها صلة وثيقة بالأدباء والمثقفين، وكان مجلسها الأدبي ملتقى للكتاب والشعراء والعلماء، فيما ترك الرجب في مذكراتي في سوق السراي شهادات وذكريات عن عالم الكتب والكتبيين والقراء. لذلك فإن الحديث عن شارع المتنبي هو حديث عن مدينة كانت تقرأ نفسها في الكتب، وعن أجيال تعلمت أن الكتاب ليس سلعة توضع على رف، وإنما ذاكرة وطن وحياة إنسان. وربما لهذا السبب بقي الشارع حاضراً في الذاكرة العراقية حتى لدى الذين غادروا بغداد؛ فقد ارتبط عند كثيرين بأول كتاب اقتنوه، وأول قصيدة قرؤوها، وأول حلم ثقافي بدأ بين دكاكينه وبسطياته.
إنها ذاكرة لا تسكن رفوف المكتبات وحدها، بل ربما بقي شيء منها عالقاً في حجارة الشارع وأرضياته، تحت أقدام الذين ما زالوا يمشون فيه بحثاً عن كتاب، أو بحثاً عن بغداد القديمة.