رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
مهرجان الجواهري في سيدني يستحضر نهر العراق الثالث


المشاهدات 1075
تاريخ الإضافة 2026/09/02 - 10:39 PM
آخر تحديث 2026/09/03 - 6:44 AM

في مساء الأحد الثالث والعشرين من آب أغسطس 2026 ، كانت مدينة فيرفيلد في سيدني الأسترالية على موعد مع واحد من اللقاءات الثقافية العراقية التي استطاعت أن تنقل شيئا من روح العراق إلى فضاء المهجر، فقد أقيمت الدورة الثالثة عشرة من مهرجان الجواهري تحت شعار سلام على هضبات العراق وشطيه والجرف والمنحنى، وهي دورة حملت اسم الشاعر وديع سعادة وجمعت الشعراء والمثقفين والفنانين والإعلاميين وأبناء الجالية العراقية والعربية إلى جانب شخصيات ثقافية واجتماعية وفنية
لم يكن حضور الجواهري في المهرجان مجرد استعادة لاسم شاعر كبير غاب جسدا وبقي شعرا، وإنما كان استحضارا لذاكرة وطن كاملة ظل الجواهري يحملها في قصيدته ويعيد تشكيلها بالكلمة حتى أصبح واحدا من أبرز الأصوات التي خرجت من العراق إلى العالم.
الجواهري نهر العراق الثالث
استعاد أحد المتحدثين في المهرجان صورة الجواهري بوصفه أكثر من شاعر عراقي حين وصفه بأنه علم من أعلام الدنيا  وبأنه  نهر العراق الثالث  في إشارة إلى المكانة الرمزية التي يحتلها شاعر العرب الأكبر في الوجدان العراقي.
وأكد المتحدث أن إقامة المهرجان في سيدني تأتي وفاء للجواهري وحفاظا على حضوره في المهجر الأسترالي، مشيرا إلى أن استمرار المهرجان لثلاث عشرة دورة يؤكد أن تجربة الجواهري لم تعد شأنا عراقيا محليا بل أصبحت جزءا من الذاكرة الثقافية التي يحملها العراقيون معهم أينما ذهبوا. وأوضح أن المهرجان تجاوز حدود الأمسية الشعرية التقليدية ليتحول إلى تظاهرة ثقافية وجمالية تجمع الأدب والفن والثقافة وتتيح للأجيال الجديدة أن تقترب من الشعر العراقي ومن إرث الجواهري. وفي حديثه عن مسؤولية الثقافة تجاه الأبناء، دعا المتحدث إلى غرس الكلمة الجميلة والصورة الشعرية في نفوس الجيل الجديد، مؤكدا أهمية أن ينتقل حب الشعر والثقافة من الآباء إلى أبنائهم حتى لا تنقطع صلة العراقيين بلغتهم وذاكرتهم وهم يعيشون بعيدا عن الوطن.
قصائد تمشي نحو العراق
وفي فضاء المهرجان كانت القصيدة حاضرة بوصفها جسرا بين سيدني وبغداد وبين الحاضر والذاكرة فقد حملت القراءات الشعرية صور الوطن والاغتراب والطفولة والمدن العراقية وملامح الإنسان الذي ترك مكانه لكنه لم يستطع أن يتركه في داخله .
وترددت في النصوص صور بغداد وهي مدينة تستعيد نجوم العاشقين تحت سمائها وتفتح لليل أبواب الياسمين فيما تتقدم السنوات بطيئة وثقيلة وتأكل من أعمار الإنسان قطعة بعد قطعة.وكانت بغداد في القصائد أكثر من مدينة فقد حضرت باعتبارها ذاكرة مفتوحة ووطنا يسكن في اللغة وتستعيده القصيدة كلما اشتد الحنين. كما حضرت البصرة بما تختزنه من صور الطفولة والمكان والماء والبيوت القديمة لتبدو المدن العراقية في القراءات الشعرية وكأنها شخصيات حية تستعيد حضورها في ذاكرة أبناء المهجر.
عشتار تستعيد صوتها
ولم تنفصل القصيدة عن الجذور الحضارية للعراق، فقد حضرت رموز الرافدين القديم في بعض النصوص لتستعيد عشتار وآلهة العراق القديم وتربط الحاضر بماض بعيد ما زالت علاماته حاضرة في الذاكرة العراقية .
وهكذا بدا الشعر في المهرجان وسيلة لاستعادة الزمن العراقي بكل طبقاته من بغداد الحديثة إلى البصرة وذاكرة الطفولة وصولا إلى حضارات وادي الرافدين الأولى.
المدينة والطفولة والمطر
وتوقفت إحدى القراءات الشعرية عند العلاقة بين الإنسان والمدينة والزمن حيث تحولت التفاصيل اليومية إلى صور شعرية تستعيد المكان وتمنحه حياة جديدة.
 ظهرت شجرة الرمان والجلنار وصبايا الحي والشارع المكتظ بالناس والسيارات فيما كان المطر يحاول الاختباء في أحشاء عمود الضوء خوفا من الرعد. 
وهي صور تكشف قدرة القصيدة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى ذاكرة واسعة فالشارع ليس شارعا عابرا والرمان ليس مجرد شجرة والمطر ليس ظاهرة عابرة وإنما جميعها إشارات إلى زمن عراقي قديم يظل حاضرا في الذاكرة مهما ابتعدت المسافات.
مهرجان يتسع للجميع
وأكد متحدث آخر أن المهرجان لا يريد أن يبقى محصورا في إطار الجالية العراقية أو العربية وإنما يسعى إلى أن يكون فضاء مفتوحا للقاء الطاقات الثقافية والفنية والإعلامية من مختلف الجاليات الموجودة في أستراليا.
وأوضح أن هذه الرؤية جعلت المهرجان يتجاوز فكرة الاحتفاء بالشعر وحده ليصبح ملتقى ثقافيا تتجاور فيه القصيدة مع الفن التشكيلي والإصدارات الأدبية والفكرية والحوارات الثقافية .
وأشار إلى أن التنوع الذي شهدته الدورة الحالية منح المهرجان طابعا خاصا وجعل الكلمة العراقية تتحرك في فضاء أوسع من حدود الجالية لتلتقي بثقافات وتجارب أخرى في المجتمع الأسترالي.
اللوحة العراقية تحمل أنفاس دجلة
وكان للفن التشكيلي حضور واضح في فعاليات المهرجان من خلال مجموعة من الأعمال التي استخدمت تقنيات فنية مختلفة وفي مقدمتها الأكريليك والميكسد ميديا . وتحدثت إحدى الفنانات المشاركات عن تجربتها في إنجاز عدد من اللوحات التي حاولت من خلالها التعبير عن الهوية العراقية وعلاقتها بالمكان والذاكرة.
وأوضحت أن تجربتها الفنية تنطلق من إحساس عميق بالمكان العراقي ومن الرغبة في استحضار تفاصيله ورموزه بطريقة بصرية معاصرة مؤكدة أن ما تقدمه في لوحاتها محاولة لأن تحمل الهوية العراقية شيئا من أنفاس دجلة .
وبذلك التقت اللوحة بالقصيدة في مساحة واحدة فالشاعر يستعيد العراق بالكلمات والفنان يستعيده بالألوان والخطوط والإشارات وكلاهما يحاول أن يحفظ ما يمكن حفظه من وطن بعيد .
وديع سعادة في ذاكرة الدورة الثالثة عشرة
واختيار اسم الشاعر وديع سعادة لهذه الدورة أضفى على المهرجان بعدا شعريا خاصا إذ جاء الاحتفاء به إلى جانب استعادة تجربة الجواهري ليؤكد اتساع مساحة الشعر العربي وقدرته على عبور الحدود والجغرافيا، فالجواهري الذي حمل العراق في قصيدته ووديع سعادة الذي حمل أسئلة الإنسان والمنفى والوجود يلتقيان في فضاء مهرجان يقام بعيدا عن الوطن لكنه يصر على أن يجعل من الشعر وطنا آخر .
سيدني تفتح نافذة على العراق
ومن خلال تنوع فقراته بدا مهرجان الجواهري في سيدني أقرب إلى نافذة ثقافية يطل منها العراقيون على وطنهم ويطل الآخرون على العراق من خلال الشعر والفن والذاكرة. فالمهرجان لم يكن أمسية تنتهي بانتهاء القصائد وإنما مناسبة لاستعادة بغداد والبصرة ودجلة وذاكرة البيوت والشوارع والطفولة ولإعادة طرح سؤال الهوية في حياة العراقي الذي يعيش بعيدا عن أرضه
وفي هذا المشهد ظل الجواهري حاضرا بوصفه روح المهرجان ومرجعيته الرمزية فقصيدته التي خرجت من العراق وعبرت الحدود وجدت في سيدني فضاء جديدا تستعيد فيه حضورها وتلتقي بأجيال جديدة من العراقيين والعرب ومحبي الثقافة .
ذاكرة لا تغيب
اختتمت فعاليات الدورة الثالثة عشرة بالتأكيد على أهمية استمرار الاحتفاء بالجواهري ونقل إرثه الشعري إلى الأجيال الجديدة ليظل اسمه حاضرا في المشهد الثقافي العراقي والعربي داخل أستراليا .
وهكذا أثبت مهرجان الجواهري في سيدني أن الثقافة قادرة على اختصار المسافات وأن القصيدة تستطيع أن تعيد الوطن إلى أبنائه حين تعجز الجغرافيا عن ذلك , ففي سيدني كان العراق حاضرا بالكلمة واللون والذاكرة وكان الجواهري حاضرا لا بوصفه شاعرا من زمن مضى وإنما باعتباره صوتا ما زال قادرا على جمع العراقيين حول معنى الوطن وجمال القصيدة وعمق الذاكرة .
 


تابعنا على
تصميم وتطوير