رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هل يتحول القضاء الدولي إلى أداة لإدارة المصالح الجيواستراتيجية ؟


المشاهدات 1089
تاريخ الإضافة 2026/09/05 - 10:29 PM
آخر تحديث 2026/09/06 - 12:58 PM

 غلت أيادي القضاء الدولي في ملاحقة متابعين وجناة كبار متهمين باقتراف جرائم ضد الإنسانية، وإن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال في حقهم، إلا أنهم ما زالوا طلقاء يجوبون خريطة العالم، ولا أحد يجرؤ على الامتثال لقرار اتخذته هيئة قضائية أو عالمية.
طبعاً الأمر مختلف عما حدث في حالات وتجارب سابقة حينما وجدت المحكمة الجنائية الدولية طريقا سالكا وسريعا لتنفيذ قراراتها بأن تم اعتقال المتهمين وقدموا لمحاكمات تابع أطوارها العالم، وأودعوا  السجن لمدد طويلة، ولاقى إعمال العدالة الدولية ترحيبا واطمأن الناس إلى فعالية قضاء دولي يحقق العدل . 
ربما تحقق كل ذلك لأن الجناة الكبار الذين اقترفوا جرائم ضد الإنسانية كانوا من الدول الضعيفة التي لا تملك إلا الامتثال لقرارات الهيئة القضائية العالمية، لكن حينما يتعلق الأمر بالجناة الكبار الذين اقترفوا أبشع الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية والإرهاب، فإن الوضعية تختلف، وتتحول المحكمة الجنائية الدولية إلى محل مساءلة بسبب جرأتها على التمرد ضد الأقوياء، وبسبب تجاوزها للحدود التي رسمت لعملها بدقة .
قد لا يكون هذا العجز مهما في حد ذاتها، ونسلم بالقول إن القوى العالمية النافذة تقبض بأنفاس النظام العالمي السائد، وتمسك بزمام التحكم في جميع المؤسسات والمنظمات الدولية الاقتصادية والسياسية والقضائية والاجتماعية، ولذلك لا يقبل توقع انزياح أي منظمة أو هيئة دولية عن الخطوط التي رسمت لها بدقة متناهية، وإن تجرأت إحداها كان مصير مسؤوليها الملاحقة والعقاب .
الأكثر أهمية فيما جرى أن المحكمة الجنائية الدولية وجدت نفسها في ضوء هذه الانتقائية في ممارسة اختصاصاتها في صلب صراع جيواسترتيجي يهدد وجودها الفعلي أو على الأقل وجودها الرمزي، بعدما استعملتها القوى الكبرى كأحد أهم الآليات في إدارة مصالحها الاقتصادية والسياسية على المستوى العالمي، وبالتالي أضحى من العبث الحديث عن المصداقية والإنصاف والعدالة والمساواة .
والأكيد أن العدالة الدولية التي شغلت البشرية منذ عقود وانتهى الأمر بالاتفاق على إنشاء محكمة جنائية دولية تتكلف بتحقيق العدالة الدولية تجتاز أكبر وأقوى اختبار في تاريخها يهدد وجودها الفعلي والرمزي .
فإما أن قرارات المحكمة الجنائية الدولية ستجد طريقها نحو التنزيل والتنفيذ ويعتقل الجناة الكبار ويقدمون للمحاكمة، ويستمر في ضوء ذلك الأمل في سيادة عدالة دولية لا تخضع للانتقائية ولا للتمييز . وإما أن القرارات ستظل حبيسة الرفوف عاجزة عن الخروج إلى حيز التنفيذ وتستعير الحملة ضد قضاة المحكمة الذين تجرأوا على ملاحقة الجناة الكبار، وبالتالي ينجح الكبار في إلغائها، وهكذا يعود العالم إلى ما قبل إنشائها قبل ربع قرن من اليوم. أما السيناريو الثالث الذي يمكن اعتباره أكثر خطورة هو رضوخ مؤسسات القضاء الدولي لإرادة القوى الكبرى، وتقبل بأن تتحول سوطا في أياديها يستعملونها في الوقت الذي يقدرونه مناسبا، وهذا السيناريو الأقرب إلى الواقع، ويصبح النظام العالمي يعتمد على قضاء بجسد بدون روح، يخضع للإملاءات من خارج فضاءات القضاء، وتحديدًا من مراكز القرارات السياسية والعسكرية والمالية، ويستعمل أداة طيعة في إدارة المصالح الجيواستراتيجية.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير