
في ضيافة هذه الحلقة، التي قد تكون مختلفة، الفنان الكبير فيصل الياسري .. كونه فناناً متعدد المواهب ونموذجاً استثنائياً للمبدع الشامل والعربي المتعدد المواهب. نجح في ترك بصمة تاريخية راسخة في مجالات الأدب، الصحافة، والمسرح والإخراج السينمائي، والدراما التلفزيونية، إلى جانب الإدارة الإعلامي.. لكن بالمقابل قد يتساءل البعض عن سبب اختيار مخرج سينمائي وتلفزيوني مثل فيصل الياسري لحلقات متسلسلة لرواد المسرح العراقي...
وهو سؤال وجيه، لكنه غير دقيق .. كون الحلقة وان خصصت لفنان كبير وفيها سرد عن تفاصيل حياته الشخصية والفنية .. لكن بالمقابل سنكتشف تفاصيل عن تعلقه بالمسرح من خلال تعقب اعمال المخرج الألماني الشهير برتولد برشت والكتابة عنها في كتابه المترجم الشهير «غربال الذاكرة»، وفيه وثّق الياسري هذه المرحلة وعلاقته المتأثرة بفلسفة بريخت. فكتب بالتفصيل عن الجدل السياسي والفكري الذي دار حول بريخت في أوروبا، بل وانعكاسها على مجمل اعماله الأخيرة..
وهنا نحتار بتوصيف الفنان الاستثنائي والكبير والمتعدد المواهب. فهو مخرج من طراز خاص وكاتب سيناريو مهم، وعقلية ادارية قيادية قادت الكثير من المؤسسات كالتلفزيون ومدير الفضائية العراقية ومدير قناة الديار وقناة حكواتي وغيرها. أسهم الياسري في تأسيس تلفزيون بغداد الثقافي وكان مديره منذ سنة 1994 حتى سنة 1995، وصاحب اهم برنامج للطفولة في الوطن العربي وهو «افتح يا سمسم» الذي أمضى فيه 12 عاما، اضافة الى اخراجه ما يربو على 24 فيلما روائيا ووثائقيا وتسجيليا الى جانب عشرات المئات من المسلسلات التلفزيونية الراقية والعربية.
فيصل عبد الله الياسري ولد في مدينة المشخاب « النجف الاشرف» لعائلة عرفت بالأدب والفقه والشعر، هو كاتب روائي ومُخرج عراقي شهير.. عمل في الصحافة عام 1948م، وأصدر مجموعة قصصية بعنوان (في الطريق)، كما أصدر رواية (كانت عذراء) عام 1952م.
غادر العراق أول مرة في سنة 1952، حيث انطلق من بيروت إلى مدينة نابولي الإيطالية في باخرة قطعت به البحر الأبيض المتوسط بين ضفتيه، ومن ثم توجه إلى فيينا.
درس علم النفس، ثم دخل مجال الفن وتخصص فيه أكاديميا، إلى أن حصل على ماجستير في فن الإخراج والإعداد التلفزيونيين من العاصمة النمساوية فيينا عام 1958. ثم غاص في مجال الأعمال التلفزيونية والتاريخية بشكل كثيف، وقدمها برؤية معاصرة عبر العديد من المسلسلات الدرامية التي قام بإخراجها، والتي جعلت منه علامة فارقة في الإخراج التلفزيوني في العالم العربي.عمل في الصحافة لأول مرة سنة 1948، وفي سنة 1958 عمل مخرجا تلفزيونيا في تلفزيون بغداد بعد إكمال دراسته الأكاديمية في فيينا.
في سنة 1962 عمل مخرجا في التلفزيون السوري، وكان أول مسلسل يخرجه هو «حمام الهنا» في سنة 1968، في 13 حلقة، مدة كل منها ساعة تلفزيونية، وهو المسلسل الذي شارك فيه الفنانون دريد لحام ونهاد قلعي ورفيق سبيعي وهالة شوكت ولينا باتع وزياد مولوي وعمر حجو وفهد كعيكاتي ومحمد طرقجي وآخرون.
أخرج العديد من الأفلام التسجيلية والروائية والتلفزيونية، كان أولها فيلم «الرأس» في سنة 1976، و»النهر» في سنة 1977، و»بابل حبيبي» في سنة 1979. قدم في سنة 1982 أول فيلم كرتون عراقي «الأميرة والنهر» وتولى الإشراف عليه والمعالجة السينمائية، وهو فيلم يحكي عن قصة من قصص وأساطير ما قبل التاريخ في بلاد الرافدين، وهو من إنتاج التلفزيون العراقي-المركز العربي للأفلام المتحركة.من أعماله السورية فيلم «عودة حميدو» في سنة 1971، وفيلم «غراميات خاصة» في سنة 1974، وفيلم «عشاق على الطريق» في سنة 1977، والمسلسل العربي «المرايا» في سنة 1984.
أخرج في سنة 1979 فيلم «القناص» في بيروت عن الحرب الأهلية اللبنانية، وهو من إنتاج عراقي وبطولة روجيه عسّاف وآمال عفيش مع الشاعر السوري الراحل نزار قباني (1923-1998) الذي ظهر في الفيلم بشخصيته الحقيقية في أول ظهور درامي له، وقد ألقى فيه قصيدته عن بيروت.
يعدّ عرّاب المسلسل التعليمي الشهير «افتح يا سمسم» الذي انطلق الجزء الأول منه عام 1979 من إنتاج مؤسسة البرامج المشتركة لدول الخليج العربي، عن مسلسل أميركي يحمل اسم «شارع سمسم»، الذي بدأ عرضه عام 1969 على الشاشات الأميركية، ولاقى نجاحا كبيرا وحاز جوائز عدة، وقدم منها 390 حلقة على مدار 10 سنوات، وقدّر جمهوره بأكثر من 800 مليون شخص فيما يفوق 150 دولة. كما أخرج آخر فيلم له بعنوان «بغداد حلم وردي» ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013.
قبل أن يتوجه للسينما، حصل على امتياز في فن الإخراج والإعداد التلفزيونيين من فيينا، وعمل عام 1958م مخرجاً في تلفزيون بغداد. كما عمل للفترة من 1959-1962 مخرجاً في تلفزيون ألمانيا الديمقراطية.
ومن أعماله التلفزيونية التي أخرجها: (دنانير من ذهب) و (اللغة العربية) و (المرايا) و (الدفتر الأزرق) وبرنامج الملف الذي لخص آثار العمليات العسكرية على البنية التحتية والخدمات على المواطنين العراقيين في حرب عاصفة الصحراء. ساهم في تأسيس تلفزيون بغداد الثقافي وكان مديره بين عامي 1994 و1995. وهو يمتلك فضائية الديار العراقية.
فيما تتلخص قصته مع المسرحي الألماني الشهير برتولت بريخت كونه من أوائل المبدعين العرب الذين نقلوا وترجموا أعمال بريخت ونظرياته المسرحية إلى اللغة العربية والتي بدأت هذه العلاقة الفكرية والفنية المتينة في ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) وتطورت بعد الوصول إلى برلين واللقاء بروح بريخ ومسرحه فقد وصل الياسري إلى برلين لأول مرة عام 1959. وتزامنت زيارته مع الذكرى السنوية الثالثة لوفاة برتولد بريخت (الذي توفي عام 1956) كانت العاصمة الألمانية حينها تعجّ بالنقاشات الفكرية حول مسرح بريخت الملحمي، مما أثار شغف الياسري لدراسة هذا الإرث بعمق وتفكيك الغموض الذي كان يكتنف مفاهيمه مثل «التغريب».. عمل الياسري مخرجاً في تلفزيون ألمانيا الديمقراطية بين عامي (1959 - 1962)، حيث أتاح له عمله في برلين وإتقانه التام للغة الألمانية الغوص في النصوص الأصلية لبريخت. ساعيا الى لترجمة والنشر، بعد ان أصبح الياسري من الطليعيين الذين ترجموا قصائد بريخت ومسرحياته ونصوصه النظرية إلى العربية، مما ساهم في تصحيح التشويه والشروحات القاصرة التي طاولت هذا المسرح في الأوساط الثقافية العربية آنذاك.
وثّق فيصل الياسري هذه المرحلة وعلاقته المتأثرة بفلسفة بريخت في كتابه الشهير «غربال الذاكرة». كتب بالتفصيل عن الجدل السياسي والفكري الذي دار حول بريخت في أوروبا. أما كيف أثرت نظريات المسرح الملحمي على رؤيته الإخراجية لاحقاً في السينما والتلفزيون العربي، إذا كنت مهتماً بجانب معين، فان مفهوم التغريب (Verfremdungseffekt) عند برتولد بريخت يعني باختصار «جعل المألوف غريباً»، هو تقنية مسرحية وفلسفية تهدف إلى كسر «الإيهام المسرحي»، ومنع المتفرج من الاندماج العاطفي الأعمى مع الشخصيات، ليتحول من «مستهلك سلبي» إلى «مفكر وناقد واعٍ» يرى الأحداث اليومية المعتادة وكأنها تحدث لأول مرة، مما يدفعه للتساؤل عن أسبابها والسعي لتغييرها. في كتابه «غربال الذاكرة»، قدم الراحل فيصل الياسري شرحاً دقيقاً وتفكيكاً عملياً لهذا المفهوم استناداً إلى معايشته للمسرح الألماني: الهدف الأسمى للتغريب (حسب شرح الياسري)
منصة للحوار لا للأوهام: أوضح الياسري أن بريخت لم يرد للمسرح أن يكون مكاناً يهرب إليه الإنسان من واقعه، بل أراده منبراً للحوار يثير خيال المتفرج. تحرير المتلقي: شرح أن التغريب يسعى لتحرير الجمهور من دوره كمشاهد سلبي يكتفي بالمتابعة والانفعال العاطفي (الخوف والشفقة)، إلى ممارس لعملية النقد الذهني وفهم الحقيقة الموضوعية للحدث.
آليات تطبيق التغريب وتفكيك المشهدين: الياسري في كتاباته كيف يُترجم «التغريب» عملياً على خشبة المسرح عبر أساليب تكسر «الجدار الرابع»، ومنها: خروج الممثل من الشخصية: أن يتوقف الممثل فجأة عن التمثيل، ويتوجه بالحديث مباشرة إلى الجمهور. هذا التصرف يؤكد للمشاهد: «أنا ممثل أؤدي دوراً، ولست الشخصية الحقيقية». أشار الياسري إلى أن الأوساط الثقافية العربية عانت لفترة من فهم قاصر للتغريب، حيث ظن البعض أنه يعني «عزل المتفرج وطرده ذهنياً» أو تقديم عرض جاف بلا متعة. مبنياً أن التغريب لا يلغي المتعة الفنية، بل يحولها من متعة عاطفية مؤقتة إلى متعة ذهنية واعية؛ فهو يجعل المتلقي جزءاً من عملية التحول من «الإيهام» إلى «الحقيقة الواقعية» ، وهناك امثلة على مسرحيات بريخت التي ترجمها أو تأثر بها فيصل الياسري مقدما الفروق الجوهرية بين المسرح الأرسطي التقليدي والمسرح الملحمي البريختي .
إن التغريب البريختي هو تجريب لمفهوم «الاغتراب» عند هيجل، «فالفكرة المحورية التي تدور حولها دراما بريخت هي الاغتراب والوعي كحل لمشك»... والتغريب يسعى للتأكيد على فصل الشخصية عن المؤدي بوساطة سلسلة من العوائق، أو الوقفات.. فيما يلي أبرز الأمثلة على نصوص ومسرحيات بريخت (أو ما شابهها فكرياً) التي ارتبطت بمسيرة الياسري ، مثلا : مسرحية «الأم» (مكسيم غوركي / برتولد بريخت)، تعتبر مسرحية «الأم» الركيزة الأوضح لتأثر الياسري العملي؛ إذ قام باقتباسها وإخراجها للمسرح. بالرغم من أن النص الأصلي يعود للكاتب الروسي مكسيم غوركي، إلا أن بريخت هو من حوّلها إلى واحدة من أشهر ملاحمه المسرحية التعليمية والسياسية.
وقد استلهم الياسري البناء الدرامي الملحمي لتقديم هذا العمل برؤية تعتمد التوعية والتحفيز الذهني للجمهور، ففي مسرحية «الأم شجاعة وأولادها “فقد ركّز فيصل الياسري في دراساته المنشورة (مثل فصول كتابه في «غربال الذاكرة») على تفكيك هذه المسرحية بالتحديد كنموذج تطبيقي لمسرح بريخت السياسي. استخدمها لشرح كيف يُقسّم بريخت المسرحية إلى مشاهد مستقلة لا تعتمد على التتابع التقليدي، بل يربط بينها منطق فكري لتعرية الواقع وتناقضاته. مسرحيات ونصوص نظرية أخرى اهتم بترجمتها ونقدها خلال إقامته في ألمانيا وعمله في التلفزيون الألماني: عكف الياسري على ترجمة ومناقشة روائع بريخت التي كشفت آليات التغريب وصعود الديكتاتوريات، ومنها: “أوبرا البنسات الثلاثة» (The Threepenny Opera): التي تناول فيها الياسري دور الأغنية والموسيقى كعنصر «تغريبي» يقطع المشهد الدرامي ليخاطب عقل المتلقي. “صعود أر تورو أوي الممكن إيقافه»: وهي المسرحية التي تفكك الفساد الإداري والطغيان السياسي، حيث أولاها الياسري اهتماماً نقدياً لشرح كيف يُسقط بريخت الرموز التاريخية (مثل هتلر والفاشية) على قوالب كوميدية ساخرة لتوعية الجماهير. كما ان انعكاس الفكر البريختي على نصوصه الخاصة لم يقتصر تأثير بريخت على الترجمة فقط، بل امتد لأسلوب كتابة وإعداد الياسري للمسرحيات العربية، مثل: مسرحية «كيف تركت السيف» (عن نص ممدوح عدوان) ومسرحية «لا تسامحونا» (بالاشتراك مع علاء الدين كوكش) حيث وظف فيهما أساليب كسر الإيهام والاعتماد على البعد السياسي والاجتماعي المباشر بدلاً من الغرق في العاطفة.طبّق فيصل الياسري كمخرج أسلوب ونظريات برتولد بريخت الملحمية في أعماله االمرئية عبر نقل فلسفة «التغريب» و»كسر الإيهام» من المسرح إلى السينما البديلة والدراما التلفزيونية التوعوية. لم يتبنَّ الأسلوب كقالب جامد، بل طوّعه ليناسب المشاهد العربي، مبرزاً الآليات التالية: في السينما: تبني تيار «السينما البديلة “شارك الياسري في تأسيس تيار «السينما البديلة» في السبعينيات، وهو الامتداد السينمائي الأقرب للفكر البريختي: تفكيك الوعي السياسي والاجتماعي: في أفلامه الشهيرة مثل «الرأس» (1976)، «النهر» (1977)، و»القناص» (1979). أما التطبيق التلفزيوني الأبرز فبدا واضحا في البرامج التربوية يعد إشرافه وإخراجه لبرنامج «افتح يا سمسم» من أذكى التطبيقات العملية غير المباشرة للفكر البريختي التعليمي بكسر الجدار الرابع بحيث تعتمد الشخصيات (والدمى) على التوجه بالحديث المباشر للمشاهد خلف الشاشة، كاسرةً إيهام التمثيل. الدمج بين المتعة والوعي الذهني: من ثم تطبيق معادلة بريخت المفضلة بتقديم لوحات تعليمية سريعة ومنفصلة تنمي العقل النقدي للطفل وتدفعه للمشاركة والتفكير بدلاً من التلقي السلبي أمام التلفاز.
توفي فيصل الياسري يوم الخميس 27 أكتوبر/تشرين الأول 2022، في العاصمة الأردنية عمّان، عن عمر ناهز 89 عاما، وشُيّعَتْ جنازتُه في بغداد. ودفن بمقبرة وادي السلام بالنجف الاشرف.. رحمه الله بواسع رحمته واسكنه فسيح جناته .