
إن صناعة الإنجاز الرياضي لا تبدأ يوم إقامة البطولة، ولا عندما يقترب موعد المشاركة الخارجية، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، من خلال منظومة متكاملة تؤسس للموهبة، وتصنع الرياضي، وتوفر له البيئة القادرة على تحويل الطموح إلى إنجاز.
فالإنجاز الحقيقي يبدأ من المدرسة ومراكز اكتشاف الموهبة، ويمر عبر الأندية والمدربين المؤهلين والبرامج العلمية الحديثة، ولا ينفصل عن الرعاية الصحية والنفسية والتغذية الرياضية والتخطيط العلمي للمشاركات، وصولاً إلى توفير الظروف التي تتيح للرياضي التفرغ للتدريب والمنافسة وفق أسس احترافية.
ومن هنا، فإن الرياضة العراقية اليوم بحاجة إلى الانتقال من منطق التعامل مع الاستحقاقات الرياضية بوصفها أحداثاً منفصلة، إلى بناء مشروع وطني رياضي واضح المعالم، تتولى وزارة الشباب والرياضة قيادته وتنسيق مساراته، بما ينسجم مع مسؤوليتها الوطنية في رسم السياسات العامة للنهوض بالرياضة.
هذا المشروع ينبغي ألا يكون مجرد وثيقة نظرية، بل استراتيجية عملية تمتد لسنوات، تتضمن أهدافاً قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وأولويات واضحة في الإنفاق والاستثمار، وبرامج لاكتشاف المواهب وصقلها، وخططاً لإعداد المدربين وتطوير البنى التحتية، وآليات دقيقة لاختيار المشاركات الرياضية وتقييم نتائجها.
والأهم من ذلك أن تكون هذه الاستراتيجية مستقرة لا تتغير بتغير الأشخاص أو الإدارات، لأن صناعة البطل تحتاج إلى وقت، ولا يمكن أن تُبنى بقرارات آنية أو حلول مؤقتة.
إن امتلاك الاستراتيجية يعني امتلاك القدرة على المتابعة والمحاسبة والقياس والتقويم والتطوير. فعندما تكون الأهداف واضحة، يصبح بالإمكان معرفة ما تحقق، وما لم يتحقق، وأين تكمن مواطن الخلل، ومن المسؤول عن المعالجة.
أما العمل من دون رؤية واضحة، فإنه سيبقي الرياضة أسيرة القرارات المتفرقة، والاجتهادات الفردية، وردود الأفعال، لتبقى النتائج متذبذبة مهما كانت حجم الجهود المبذولة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة في مراجعة الواقع، ووضوحاً في تحديد الأولويات، وإرادة في الانتقال من إدارة النشاط الرياضي إلى قيادة المشروع الرياضي الوطني. فالإنجاز ليس صدفة، والبطل لا يُصنع في أيام البطولة؛ البطل تصنعه استراتيجية، وتصنعه منظومة، وتصنعه سنوات من العمل العلمي المتراكم.
ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى نحو رياضة عراقية أكثر استقراراً، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر اقتراباً من منصات الإنجاز.