
ثمة مدن نزورها فنغادرها، ومدن لا تغادرنا مهما ابتعدنا عنها.. وبغداد، بالنسبة إلى الكاتبة والصحفية والروائية التونسية حياة الرايس، كانت من النوع الثاني، مدينة دخلتها طالبة شابة في خريف عام 1977، وظلت تسكن ذاكرتها حتى استعادت تفاصيلها بعد عقود في روايتها السيريّة الجميلة «بغداد وقد انتصف الليل فيها». وقد جاء عنوان الرواية من العبارة التي سمعتها الرايس في اللحظات الأولى لدخولها بغداد، من مذياع سيارة المرسيدس التي نقلتها مع ثلاثة طلاب من المطار إلى القسم الداخلي: بغداد وقد انتصف الليل فيها. كانت عبارة إذاعية عابرة، لكنها استقرت في الذاكرة حتى غدت بعد أربعين عاماً عنواناً لمرحلة كاملة من حياتها، ولعلها كانت، من حيث لا تدري، إعلاناً عن بداية حياة جديدة أكثر منها إعلاناً عن انتصاف الليل.
كانت حياة الرايس أول طالبة تونسية تدرس الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد، جاءت من تونس وهي لم تتجاوز العشرين، تحمل رغبة جامحة في الدراسة والسفر والمغامرة، لتجد نفسها في بغداد السبعينيات، المدينة التي كانت يومها ملتقى للطلبة العرب، وفضاءً ثقافياً وصحفياً وفكرياً لا يهدأ. ومن هنا لا تبدو الرواية سيرة ذاتية بالمعنى الضيق، بقدر ما هي سيرة مدينة من خلال سيرة امرأة، فالكاتبة تستعيد القسم الداخلي وزميلاتها العربيات، ولهجاتهن المختلفة، وصداقاتهن ومشاكساتهن وأحلامهن، كما تستعيد زملاء الجامعة العراقيين والعرب، والشوارع والمقاهي والليالي البغدادية وتفاصيل الحياة اليومية الصغيرة، وقد رأى الروائي الجزائري واسيني الأعرج، في كلمته على غلاف الرواية، أن النص يحاذي السيرة الذاتية من دون أن يكون مجرد استعادة لها، وأن «حياة» تتناغم فيه مع سيرة مدينتين عربيتين: تونس وبغداد.
لكن أجمل ما في هذه الرواية، بالنسبة إلى قارئ عراقي عاش شيئاً من تلك السنوات، أن الرايس تفتح لنا نافذة على بغداد الثقافية في السبعينيات، نلتقي معها بأساتذة قسم الفلسفة، وفي مقدمتهم مدني صالح الذي تمنحه فصلاً بعنوان «سقراط بغداد»، مستعيدة شخصيته ومقاماته وطريقته الخاصة في التفكير والتدريس. كما تتوقف عند أستاذها الدكتور ياسين خليل، ثم تتسع دائرة الذاكرة لتصل إلى أسماء كبيرة التقتها وحاورتها مثل جبرا إبراهيم جبرا، وعبد الرحمن منيف، وعبد الرزاق عبد الواحد. وبموازاة الجامعة، كانت ثمة حياة أخرى تتشكل في الصحافة، فمنذ سنتها الجامعية الأولى بدأت الرايس الكتابة في مجلة « ألف باء»، التي احتضنت خطواتها الصحفية والأدبية المبكرة. وفي صفحات الرواية تعود بمحبة ووفاء إلى الذين مدوا لها اليد في تلك البدايات، ومنهم نافع الملاح، وماهر فيصل، وشامل عبد القادر، وماجد السامرائي، وابتسام عبد الله. وهكذا لم تعد بغداد مكاناً للدراسة وحدها، بل المكان الذي اكتشفت فيه الصحافة والكتابة، وبدأت فيه ملامح مشروعها الأدبي تتكون.
انتهت سنوات الدراسة وعادت حياة الرايس إلى تونس، لكن بغداد لم تعد بالنسبة إليها مدينة أقامت فيها ذات يوم، لقد أصبحت جزءاً من سيرتها الشخصية والثقافية، وربما لهذا ظلت تلك الجملة القديمة، الآتية من مذياع سيارة في ليلة بعيدة حية في ذاكرتها كل هذه السنوات: بغداد وقد انتصف الليل فيها. لكن الليل الذي انتصف يومها، كان بالنسبة إليها بداية صباح طويل .