رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
جماليات النص والتجربة الإبداعية في (زخيخة) لطه جزّاع


المشاهدات 1080
تاريخ الإضافة 2026/09/07 - 11:45 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 12:54 PM

وقد فهم جزّاع باشلار بطريقة تنم عن فهم روحي متعالي للأشياء، وهذا الفهم هو ما يجعل النص المكتوب بطريقة حميمية عالية بين النص والكاتب من جهة، وبين الذات والمكان من جهة أخرى، وبهذا الصدد يقول جزّاع: (حين كتب باشلار كتابه الشهير جماليات المكان، لم يكن بصدد تأسيس نظرية عمرانية، ولا فلسفة في الجغرافيا، بل كان يسعى إلى فهم العلاقة العميقة بين الإنسان وأمكنته الأولى، تلك التي تترسخ في الطفولة وتظل فاعلة، بصمت، في كل ما يليها من مراحل العمر. المكان عنده ليس ما نراه فقط ، بل ما نتذكره، ونتخيله، ونحلم به... لا يتعامل باشلار مع المكان بلغة المفهوم الصارم، بل بلغة الصورة الشعرية. إنه يقرأ البيت والعش، والزاوية، والدرج، والسقف، لا بكونها عناصر معمارية بل بكونها رموزاً نفسية تشكل ما يسميه ( الحميمية المكانية ). فالمكان الحميمي هو المكان الذي يمنحنا الإحساس بالأمان، والانتماء، والعودة إلى الذات.) زخيخة ص ١٧ـ18. جميل جداً أن يتحلى المفكر والفيلسوف بهذا الفهم العميق للأشياء، وأن ينتقل انتقالة كبرى في الفهم والتحليل والتفكير، وهذا طبعاً مرهون بالمرحلة العمرية للباحث والمفكر، حين يتقدم به العمر تتعمق نظرته للأشياء وطريقته في التفكير، وهذا أيضاً ما يجعل البعض يهيم في التفكير والتعبير وينقلنا إلى أماكن بعيدة ومديات عميقة لا نحسب لها حساباً ولا تخطر على بالنا، هنا تدخل حكمة الباحث والمفكر والدارس في وصف الأشياء وخبرته في مجالات الحياة والمعرفة، وقد يغوص بنا البعض من هؤلاء الفلاسفة في العمق بحثاً عن معنى المعنى وفلسفة الفلسفة وجوهر الجوهر، وهذا ما جعل جزّاع في نصه يتأثر بالطرح الباشلاري ويتمثله، والمكان المكتوب عند جزّاع ليس نسخة عن الواقع، بل نسخة عن أثره في النفس. وهذا الفهم بحد ذاته يعد طرحاً عميقاً وفهماً دقيقاً يربط بين الذات والموضوع، وكيفية النظر للأشياء، وهو فهم لا يصدر عن كل إنسان، بل يحتاج لوعي وفكر مختلف جداً، وهي نظرة باطنية لا تتسم بالسطحية، بل تحتاج إلى قوة بصر وبصيرة وعقل وحدس عميق، كما طرحها الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859ـ1941) في فلسفته الروحية، وهو ما يرتبط بالتطور الخالق أيضاً، الذي يربطه بمفهوم النضج أيضاً، والنضج المعرفي له دور أساس في تجربة الباحث والمفكر وأي إنسان، ومن خلاله يرتقي عمله الفني والفكري والعلمي والفلسفي. وهذا ما نلمسه في نص طه جزّاع، (زخيخة)، حيث نلاحظ تطور النضج الفكري والمعرفي في مستوى القراءة والكتابة والفهم والتحليل للمكان والذاكرة والإنسان. وهذا ما جعل جزّاع يقول: (إن الكتابة عن المكان ليست ترفاً، بل ضرورة لفهم الذات) زخيخة. ص 21. و(الأمكنة تشبه أصحابها إلى حد يصعب فيه الفصل بين الإنسان والمكان) زخيخة. ص 38. ( البيت الذي لم يعد موجوداً في الجغرافيا، صار أكثر حضوراً في الذاكرة. زواله المادي لم يلغه، بل حرره من ثقل الواقع.) زخيخة. ص 39.
يرى جزّاع من خلال باشلار، (إن البيوت التي نفقدها لا تختفي، بل تنتقل إلى داخلنا...فلو بقي البيت قائماً، ربما كان سيتحول إلى بناء عادي، يتآكل مع الزمن. أما وقد زال، فقد تحول إلى معنى...وحدها الذاكرة، حين تُكتب، تمنح المكان فرصة أخرى للحياة، وهذا ما يفعله هذا النص، لا يعيد بناء البيت، بل يعيد إصغاءه.) زخيخة. ص 40. وعندما ننتقل إلى إدغار موران وفهم جزّاع له فإنه يراه بصورة مغايرة لباشلار، فـ(إذا كان غاستون باشلار قد علّمنا كيف نصغي إلى الصورة الحميمية للمكان، فإن إدغار موران يعلمنا كيف نفهم المكان بوصفه نظاماً مركباً، لا تختزل دلالته في صورة واحدة ولا في تجربة فردية معزولة. المكان، عند موران، ليس نقطة ثابتة في الجغرافيا، ولا ذكرى فردية في الذاكرة، بل شبكة علاقات تتداخل فيها الطبيعة، والتاريخ، والمجتمع، والذات. في هذا المنظور، لا يعود المكان خلفية صامتة للأحداث، بل فاعلاً فيها. إنه يتأثر بنا كما نؤثر فيه، يتغير بتغيرنا، ويعيد تشكيلنا بقدر ما نعيد تشكيله. الذاكرة هنا ليست خزاناً محايداً للماضي، بل عملية حية، تعيد ترتيب التجربة باستمرار، وتربط بين ما كان وما هو كائن وما يمكن أن يكون.) زخيخة. ص 55. 
موران عند جزّاع يعيد تركيب الصورة ما بين الإنسان والمكان، فالإنسان لا يتأثر بالمكان فحسب، بل ويؤثر فيه، فعلاً، هذه الحقيقة التي يراها كل من موران وجزّاع ونحن نوافقهما الرأي في هذا المجال، وهذا الفهم العميق لا يتحصل عليه كل إنسان، ولا يصل إليه أي أحد، لأنه فهم ينم عن بصيرة كبيرة ونظرة فاحصة أشبه بنظرة العارف أو الصوفي أو الفنان حين ينظر للأشياء. وموران عند جزّاع يدعونا (إلى التفكير في المكان بوصفه كائناً مفتوحاً، غير مكتمل، دائم التشكل. وهذا ما ينسجم مع التجربة التي يقدمها هذا الكتاب. فزخيخة ليست صورة مغلقة في الماضي، بل موقعاً حياً تتقاطع فيه الأزمنة، وتلتقي فيه الذكريات الفردية بالتحولات العامة. المكان هنا لا يُستعاد، بل يفهم ضمن شبكة أوسع من العلاقات.) زخيخة. ص 57.
وهو ما جعل جزّاع يجمع بين نظرتين تكامليتين، بين فيلسوفين كل منهما يمثل خطّاً فكريّاً مستقلاً بذاته، لكنه وظف بينهما في خلق صورة فنية وجمالية جديدة توفق بين الاثنين، (بهذا المعنى، يصبح الانتقال من باشلار إلى موران انتقالاً من الحميمية إلى التركيب، لا قطيعة بينهما. فالصورة الأولى التي تحدث عنها باشلار لا تفقد قيمتها ، لكنها تدرج ضمن نظام أوسع يفسر كيف تستمر هذه الصورة في العمل داخل الذاكرة الفردية والجماعية معاً. المكان يبدأ صورة، لكنه لا ينتهي عندها. هنا لا نهدف إلى تنظير مجرد، بل إلى توسيع أفق القراءة. فحين ننظر إلى زخيخة بوصفها نظاماً مركباً، نفهم لماذا ظلت حاضرة رغم تغيرها، ولماذا أمكن لقرية صغيرة أن تحمل هذا الثقل في الذاكرة. إنها ليست استثناءً، بل نموذجٌ مصغّرٌ لعلاقة الإنسان بمكانه الأول.). زخيخة 57.
نلاحظ كمية النضج والحيوية والعمق الذي ينبض من تلك الاقتباسات وذلك الفهم العميق للمكان، بالتأكيد قد لا يشعر به البعض، ولكنه قد يشعر به البعض الآخر، وهذا أيضاً مرهون بالنضج المعرفي والثقافي والحس الأدبي والفني والجمالي للقارئ، وذائقته الروحية والجمالية التي تتلقى الكلمات والعبارات والنصوص، وهذا ما انعكس على نص (زخيخة) وما يفيض من معاني غزيرة سواء في قراءة المكان أو في التعبير عنه من قبل مؤلفه، وهو ما جعله يمثل وحدة عقلية وروحية وجسدية مشتركة لا تنفصل عن بعضها، بل وجعل المكان ذاتاً حاضرة في الذات الإنسانية، مثلما الذات الإنسانية حاضرة في المكان نفسه، أشبه بـ(وحدة الوجود) عن الصوفي، فأصبح المكان والإنسان واحداً لا يفصل بينهما فاصل (وحدة الذوات)، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، بل قد تشتاق الأماكن إلى الأشخاص، أكثر من اشتياق البعض إلى الأماكن، وبعض الأماكن تموت وتندثر، لكنها حية وحاضرة في العقول والنفوس، وبعضها حي نعيش فيه ولكنه ميت فينا لا نشعر به. تلك هي النظرة التطبيقية التي خرج منها جزّاع في قراءة المكان من خلال ذاكرته الطرية الندية التي تستحضر الكلمات والعبارات والمشاعر التي تنبض بالحيوية والحياة معاً.
كلمة عن (زخيخة) بمثابة ختام :   
هناك حقيقة لا بد من الإفصاح عنها والإيمان بها وهي أن تذكّر الأشياء وفهمها والتعبير عنها، والشعور بها، مرهون بذواتنا وتجاربنا وعلاقاتنا مع الأشياء، وكما كان يرى أستاذنا مدني صالح (1932ـ 2007)، في فلسفته (إن الأشياء بالتي فينا لا بالتي فيها) و (إن المكان بالمكين لا بالمكان نفسه)، فنحن نحب ونكره، ونبتعد ونقترب، ونقرأ ونفهم، ونكتب ونرسم الأشياء لا كما هي وإنما كما تبدو لنا، وفق أجهزتنا ومرجعياتنا المعرفية والفكرية والثقافية والنفسية، وهو عين ما عبّر عنه الدكتور طه جزّاع حين أبدع في كتابة ورسم صورة زخيخة (القرية) في كتابه، وفق تجربته الذاتية التي انطبعت في ذاكرته المبكرة الطرية (مرحلة الطفولة)، والتي عبّر عنها من خلال تجربته الفكرية والمعرفية في هذا النص، لا بوصفها تاريخاً للقرية والمكان الذي عاش فيه، بل بوصفها معرفة استنبطها واستقاها من ذلك المكان وتلك التجربة، فهي تجربة ذاتية بحتة، كونت طريقة جزّاع في قراءة الأحداث وكتابة النص، فلعل شخصاً آخر من أبناء قرية زخيخة لا يرى تلك الصور والإيحاءات والانطباعات التي رآها وكتبها جزّاع في (زخيخة)، وقد تبدو صور الأشياء طبيعية جداً (عادية)، وغير مؤثرة، لمن يعيش في تلك القرية من ناس، أو في أي مكان آخر، ولا تترك تلك الصورة التي قدّمها جزّاع في نصه أي تصور أو فهم لعقل ابن القرية، ولا تقدم له تلك الجماليات التي رسمها عن القرية (المكان)، وجزّاع له نظرته الخاصة به عن القرية التي تحولت إلى أيقونة ملهمة له، حيث يقول: (ما أكتبه هنا ليس حنيناً، ولا رثاءً لماضٍ بعيد، ولا محاولة لتجميل القرية. إنني أكتب لأنني أدركت، متأخراً، أن الأمكنة التي نشأنا فيها تكتبنا قبل أن نكتبها. وأن الخيال، كما فهمه باشلار، ليس هروباً من الواقع، بل تعميق له، وإعادة تشكيله في الداخل. المكان، حين يُعاش ببراءة الطفولة، يتحول إلى مخزون صور، وهذه الصور تعود لاحقاً لتؤثر في اللغة، في التفكير، في طريقة النظر إلى العالم.). زخيخة. ص13ـ 14. 
لقد استطاع جزّاع تحويل تلك الذكريات إلى معرفة، والمعرفة تشكّل كينونة الإنسان، وكذلك المكان والزمان، وما كان لتلك المعرفة أن تكون لولا المكان، صورة المكان التي ارتسمت في عقل الكاتب ومخيلته، التي قدّمها من خلال (زخيخة)، التي تحولت من مكان إلى معرفة، من خلال الذاكرة، التي رسمت جماليات المكان والنص معاً، فـ(الكتابة عن زخيخة ليست عودة إلى الماضي، بل مصالحة مع الزمن. فالمكان الذي لا نكتبه يظل غامضاً فينا، يضغط من الداخل، ويظهر أحياناً في هيئة حنين غير مفهوم. أما حين نكتبه فإننا لا نعيده كما كان، بل نعيد ترتيبه داخل وعينا، فالكتابة هنا ليست استعادة، بل تحويل المكان إلى معنى، والذكرى إلى نص، والطفولة إلى معرفة.). زخيخة. ص 14ـ15.
في نصوص وعبارات جزّاع في (زخيخة)، ما يذكرنا بفلسفة مارتن هيدغر (1889ـ1976)، في فهم كينونة الإنسان، من خلال الذات وعلاقتها بالزمان والمكان من جهة، وبفلسفة بول ريكور (1913ـ2005)، وتشريحه للذاكرة وعلاقتها بتشكّل هوية الإنسان من جهة أخرى، فقد استطاع جزّاع من خلال (زخيخة)، أن يبين علاقة الكينونة بالمكان، وكذلك هوية الإنسان بالذاكرة، ومن  خلال الاثنين معاً أنتج وعياً معرفياً خرج من إطار تلك الكينونة وتلك الهوية وذلك المكان عبر الذاكرة، التي استلهمت قوتها من تلك المرجعيات وحضورها داخل الذات، ليس هذا ما يسجل لجزّاع في قوة نصه وطريقته في الكتابة فحسب، بل أنتج طريقة بحث جديدة لم نعتد عليها من قبل في الكتابة، وهي سعيه لتقديم بحث تطبيقي، يجمع بين الذاكرة والمكان والخيال والواقع، فزخيخة القرية تحولت إلى أيقونة معرفية وجمالية ألهمت الكاتب الكثير من الأفكار والمعاني، ليس هذا فحسب، بل سعى جزّاع لاستكمال جماليات المكان وسحر البيان بما وضعه في نهاية الكتاب من صور جميلة للقرية، وكتابته لنص تلفزيوني لفيلم وثائقي أنجزه، يقدم لنا صورة تطبيقية واقعية حية عن جماليات زخيخة، وقد وضع المؤلف كود الفيلم الوثائقي لمن يريد مشاهدة ذلك المكان، المكان الذي تحول إلى معرفة، وهو ما جعله في نهاية النص لم يغلق باب القرية، بل جعله مفتوحاً على مصراعيه لمن يحب دخول عالم زخيخة، ليرى بأم عينه جماليات ذلك المكان، بما يحمل من معاني وصور ألهمت كاتبها الكثير من الأفكار، عسى أن يلهم الآخرين تلك الصور والمعاني في فهم الأشياء والنظر إليها، ومعرفة مدى العلاقة القوية بين الذات والموضوع في تشكّل صورة العالم وبناء اللغة ونمط العلاقات القائمة بين الأشياء.  


تابعنا على
تصميم وتطوير