
جسّدت المرأة العراقية عبر العقود الماضية أبهى صور الأصالة الاجتماعية والأخلاقية والثقافية، فكانت مدرسة تربوية متكاملة وقيمة حضارية حُفرت أسماؤها بماء الذهب في ذاكرة الوطن والعالم. فقد شهدت أروقة السياسة والتاريخ ريادة نزيهة الدليمي كأول وزيرة في العالم العربي، وحكمة عميدة السعدون في بناء المؤسسات. وفي العمارة والطب، تجلت عبقرية زها حديد ووجدان المالي، ورسخت سانحة أمين زكي وسالمة الفخري أركان النهضة الطبية. أما الأدب والشعر فكانا ساحة لتجديد نازك الملائكة، ورقة مفردة لميعة عباس عمارة، وفصاحة عاتكة الخزرجي.
ولم يكن الفن والثقافة بمعزل عن هذا الأثر الخالد ، إذ رفدت الفن التشكيلي قامات مثل نزيهة سليم، ومديحة عمر، وليلى العطار، في حين أرست سهام السبتي وسليمة خضير وفاطمة الربيعي قواعد المسرح والسينما الملتزمة. واكتملت الهوية الفنية بصوت عفيفة إسكندر، وزهور حسين، ووحيدة خليل، لتتوج هذه المسيرة بعطاء التربويات مثل روز خدوري ومقبولة الحلي. لقد شكّلت هذه النماذج منظومة قدوة حقيقية خلدت اسم العراق دون حاجة إلى استعراض رخيص.
لكن هذا الإرث المشرّف يصطدم اليوم بواقع رقمي متسارع ، إذ أدخل التطور التكنولوجي بعض النساء إلى الفضاء الافتراضي تحت مسمى «بلوكرات»، فانقسم هذا الوسط بين من تقدم محتوى هادفاً يخدم المجتمع، وبين أطراف أخرى غاصت في التفاهة والمحتوى الهابط، عبر شاشات تفيض بسلوكيات تسيء للذوق العام وتضرب قيم الموروث العراقي بعرض الحائط.
ويتضاعف المشهد خطورة حين تتصدر بعض الشخصيات بثوث «الهدايا الرقمية» المتمثلة بالأسد، والحوت، والوردة، والقلب. إن هذا التدفق المالي الهائل ليلة وضحاها يطرح استفهامات أمنية واقتصادية حادة حول مصادر الشبهات ومخاطر غسيل الأموال عبر المنصات الافتراضية. والأخطر من ذلك هو الأثر المجتمعي الناجم عن الثراء السريع والصعود الزائف، الذي يغري عقول الشباب والفتيات بالركض خلف المكاسب السهلة والتضحية بالقيم الأصيلة مقابل حلم الشهرة الفتاك.
وهنا يبرز التساؤل المؤلم: كيف لجيل كامل أن يتباهى مستقبلاً بتاريخ عائلته حين تصبح القدوة رمزاً للمحتوى الرديء والبثوث المشبوهة؟ وأين تذهب الأجيال الجديدة حين تغيب القدوة الحقيقية لصالح تجارة الإسفاف؟
إن مواجهة هذا المنزلق تحتم على الأجهزة المعنية فرض رقابة مالية صارمة على حركة الأموال الرقمية داخل منصات البث المباشر، وتطبيق القوانين الرادعة لملاحقة شبكات الدعم المجهول وشبهات غسيل الأموال. بالتوازي مع ذلك، يقع على عاتق المؤسسات الإعلامية والتعليمية مسؤولية تسليط الضوء على النماذج المشرفة للمرأة العراقية المتعلمة والمبتكرة، لإعادة الاعتبار لقيم الأصالة، كي تبقى المرأة العراقية رمزاً للحكمة والعطاء، وحارسة أمينة لتاريخ أمة لا يُباع في مزادات البثوث.