
تتجلى في تخطيطات الفنان أوميد عباس رؤية أكاديمية متمرسة تحتفي بالجسد الإنساني لا بوصفه موضوعًا جماليًا ثابتًا، بل بوصفه طاقة حية في حالة تحول دائم، حيث يرتكز البناء التشريحي لديه على دقة عالية في ضبط المقاييس والأبعاد، ولكن هذه الدقة لا تهدف إلى تجميد الجسد في وضع تشريحي جامد، بل إلى الإمساك بليونة الحركة الباليرينية (حركة رقص الباليه الكلاسيكي) في أوج انسيابها.
إنها دقة الخبير الذي يعرف أن العظم والعضلة ليسا هيكلًا جامدًا، بل جهازًا ميكانيكيًا يشتغل وفق قوانين الفيزياء والجاذبية والتوازن، وأن مهمة الرسام هي أن يجعل هذه القوانين مرئية. ما يميز تجربة أوميد عباس منذ اللحظة الأولى هو تعامله مع “السكيتش” كعمل فني مكتمل الذات وليس مجرد دراسة تحضيرية تمهد للوحة نهائية.
السكيتش عنده ليس تمرينًا، هو قرار، هو لحظة قبض على الزمن يختار فيها أن يبقي الخط مكشوفًا، والظل عائمًا، والمساحة ناقصة عمدًا. يزاوج في هذه التخطيطات بين صرامة الأكاديمية في رسم التشريح العضلي، ما يُعرف بالتشريح الفني، وبين رهافة الملمس واقتصاد الظل والنور. فالخط عنده يعرف متى يكون حادًا يحدد بروز عظم الكتف، ومتى يتراجع ليترك للورق أن يتنفس.. والفحم والغرافيت لا يستخدمان لملء الفراغ، بل لنحته.
النتيجة هي أوراق تحمل ثقل الجسد وخفته في آن واحد، ثقل المادة وخفة الراقصة. تظهر جودة التكوين في طريقة توزيع الكتل والأنغام الضوئية. لا يوزع أوميد الأشكال اعتباطًا على سطح الورق.. هناك إحساس معماري بالفراغ، كأن كل جسد هو كتلة معلقة في فضاء محسوب، وتساهم التباينات الحادة بين ظلال الفحم والغرافيت الغامقة وبين سطوع الضوء الفراغي في تجسيد البروزات العضلية لظهر وذراعي وساقي الراقصات.
الضوء عنده لا يأتي من مصدر خارجي مرسوم، بل يتولد من احتكاك الجسد بالظل، فمنطقة الظهر مثلًا قد تُترك بيضاء تقريبًا لتبرز، بينما تغرق ثنية الفخذ في سواد كثيف يمنحها عمقًا وحجمًا.. هذا التلاعب الضوئي لا يهدف إلى الواقعية الفوتوغرافية، بل إلى دراما الحركة، إنه يضيء ما يجب أن نراه أولًا: انثناء العمود الفقري، توتر الوتر، امتداد أصابع القدم.