رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
رصيفٌ يقرأ ذاكرة الموصل


المشاهدات 1096
تاريخ الإضافة 2026/09/09 - 10:22 PM
آخر تحديث 2026/09/10 - 12:31 PM

في قلب الموصل العتيقة حيث تتنفس الأرصفة عبق التاريخ وتختلط خطوات العابرين بذاكرة المدينة يظهر مشهدٌ تختصر فيه الكتب حكاية أجيال كاملة شيخٌ أثقلت السنوات ملامحه لكنه ما زال يحتفظ ببصيرةٍ تقوده بين العناوين والصفحات يجلس أمام الكتب المفروشة على قارعة الطريق يقلب بعضها ويتأمل بعضها الآخر كأنه لا يبحث عن كتاب بقدر ما يبحث عن شيءٍ من عمرٍ مضى   وتحت ظلال هذا المشهد الأثري لا تكون القراءة مجرد وسيلة للمعرفة أو وسيلة لقتل الوقت أحياناً يكون الكتاب طريقاً إلى الذاكرة عنوانٌ قديم قد يعيد إلى الإنسان وجهاً غاب أو مكاناً تغير أو زمناً ماعاد ممكناً استعادته إلا عبر الكلمات وربما لهذا يبدو الشيخ وهو يتصفح الكتب كمن يفتش في أرشيف حياته بين صفحاتٍ احتفظت بما عجزت الذاكرة وحدها عن الاحتفاظ    به، العلاقة بين العراقي والكتاب أعمق من كونها علاقة قارئ بمادة مطبوعة أجيالٌ كاملة عاشت مع الكتاب بوصفه رفيقاً وصديقاً وملاذاً كان الكتاب حاضراً في البيوت والمقاهي والمكتبات وكانت رائحة الورق والحبر جزءاً من تفاصيل الحياة الثقافية وفي بغداد والموصل والبصرة ومدن العراق الأخرى نشأت أجيال وهي ترى في الكتاب نافذةً على العالم ووسيلة لفهمه ومقاومته في الوقت نفسه لهذا يحتفظ الكتاب الورقي بمكانة خاصة لدى جيلٍ تربى على ملمس الصفحات وصوت تقليبها الشاشة قد تختصر الطريق إلى المعلومة لكنها لا تمنح القارئ دائماً ذلك الشعور الذي يصنعه كتابٌ قديم يحمل آثار الزمن أو عنوانٌ مألوف يعيد إلى الذاكرة سنوات بعيدة أما الرصيف المفروش بالكتب في الموصل فيبدو كأنه مكتبة بلا جدران عناوين متجاورة وكتب قديمة وجديدة وقارئ يبحث بينها بصبر وعابر قد يتوقف فجأة لأن غلافاً أو عنواناً استوقف ذاكرته هنا يصبح الرصيف مساحةً ثقافية مفتوحة ويصبح الكتاب أقرب إلى الناس بعيداً عن هيبة الرفوف المغلقة وأبواب المؤسسات والشيخ الجالس بين الكتب يمنح المشهد دلالته الأعمق لقد انحنى الجسد تحت ثقل السنين لكن الرغبة في المعرفة لم تنحنِ فالإنسان قد يكبر في العمر لكنه لا ينقطع عن الكتاب وقد تتغير المدن والوجوه والأزمنة فيما تبقى الصفحة قادرة على فتح نافذةٍ صغيرة نحو زمنٍ كان يبدو يوماً قريباً الموصل التي دفعت ثمناً قاسياً من تاريخها تعرف جيداً معنى أن تستعيد حياتها من بين الركام وربما لهذا يبدو حضور الكتب في أرصفتها أكثر من مجرد مشهد عابر إنه علامة على أن المدن لا تستعيد عافيتها بالحجر وحده وإنما بما يبقى في عقول أهلها من معرفة وذاكرة  وهوية،  لا يبدو الشيخ وهو ينحني فوق الكتب كمن يبحث عن كتابٍ عابر وإنما كمن يعرف جيداً ماذا يريد بين أكوام الكتب القديمة المفروشة على الأرصفة كان يفتش بهدوء عن عناوين ربما لا تلفت انتباه المارة لكنها تحمل في صفحاتها علماً وفكراً وتجارب أجيال كتبٌ تبدو متعبة من الزمن أغلفتها باهتة وأوراقها تحمل أثر السنين ومع ذلك تبقى قيمتها الحقيقية أكبر بكثير من أسعارها الزهيدة، فالكتاب لا تقاس قيمته بحداثة غلافه ولا بثمنه على الرصيف هناك كتبٌ فقدت بريقها الخارجي لكنها احتفظت بثراءٍ معرفي لا يكتشفه إلا قارئ يعرف قيمة ما بين السطور وربما كان هذا الشيخ يعرف أن بعض الكنوز لا تُعرض خلف واجهات فاخرة وأن أثمن ما يمكن أن يعثر عليه الإنسان قد يكون كتاباً قديماً منسياً بين عشرات العناوين ينتظر فقط قارئاً يعرف قيمته  قد يشيخ الإنسان وقد تتهالك الحجارة والدروب لكن الكتاب يظل قادراً على أن يمنح العمر نافذةً جديدة لأن الكلمات التي كُتبت قبل عقود تستطيع أن تعود اليوم لتوقظ ذاكرة أو تفتح فكرة أو تستعيد زمناً ظنناه قد رحل وفي رصيفٍ تزدحم فيه الكتب القديمة كان الشيخ يبحث عن قيمةٍ لا يعرفها إلا من أدرك أن بعض الكتب يزداد عمرها ولا تنقص قيمتها.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير