
يستيقظ آلاف الشباب العراقيين كل صباح على سؤال واحد: أين توجد الوظيفة؟ وليس السؤال: ماذا أستطيع أن أصنع؟ أو أي مهارة يمكن أن تمنحني فرصة أفضل؟ هكذا تحولت الوظيفة الحكومية في الوعي الاجتماعي العراقي من وسيلة للعمل إلى حلم مستقر، ومن حق مشروع إلى انتظار طويل قد يستهلك سنوات من عمر الخريج. فالمشهد أمام الجامعات العراقية يكشف جزءًا من الحكاية. شاب يحمل شهادة جامعية، وآخر يحمل شهادة عليا، وثالث أنهى سنوات من الدراسة والتدريب، ثم يجدون أنفسهم في طوابير التقديم على استمارة توظيف أو بانتظار إعلان عن درجات وظيفية. وفي المقابل، يبقى سؤال المستقبل مؤجلًا، وكأن الحياة المهنية تبدأ فقط عندما تأتي رسالة التعيين.
والأرقام تشرح حجم المشكلة. تشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل بطالة الشباب في العراق بلغ نحو 32% عام 2025، بينما تشير تقديرات أحدث إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا يشكلون قرابة 29% من السكان، في وقت يظل فيه خلق فرص العمل محدودًا، مع تفضيل واضح للقطاع العام وضعف قدرة القطاع الخاص على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل. وهذه الأرقام تجعل انتظار الوظيفة مفهومًا من الناحية الاجتماعية، لكنها لا تجعل تحويل الانتظار إلى أسلوب حياة أمرًا طبيعيًا. فالمشكلة لا تكمن في رغبة العراقي بالحصول على وظيفة حكومية مستقرة؛ فهذا حق مشروع، ولا يمكن مطالبة شاب تخرج وبذل سنوات من عمره بأن يتخلى عن طموحه في الحصول على عمل لائق. المشكلة تبدأ عندما يصبح التعيين الحكومي هو الطريق الوحيد الذي يتخيله المجتمع للنجاح.
ولعل مشهد الخريجين وهم يتابعون أخبار مجلس الخدمة أو إعلانات التعيين يكشف حجم هذا الارتباط. ففي آب 2025، أعلن مجلس الخدمة العامة الاتحادي أن إحدى عشرة قائمة تضمنت أكثر من 21 ألف متقدم، مقابل نحو 8700 درجة وظيفية متاحة آنذاك. ووراء هذه الأرقام قصص إنسانية كثيرة. خريج يؤجل الزواج لأنه لا يمتلك دخلًا ثابتًا، وخريجة ترفض وظيفة في القطاع الخاص لأنها ترى أن مستقبلها الحقيقي يبدأ بالتعيين الحكومي، وشاب يواصل دراسة تخصص جديد لا لأنه يحبه، وإنما لأنه يعتقد أن فرصته في التوظيف قد تكون أكبر. وهكذا تتحول الشهادة أحيانًا من بوابة إلى المستقبل إلى بطاقة انتظار. فالمشكلة الأعمق أن التعليم نفسه بدأ يتأثر بهذه الثقافة. يشير صندوق النقد الدولي إلى أن سياسات التوظيف العام في العراق أثرت في الاختيارات التعليمية والاستثمار في التعليم الخاص، وجعلت كثيرًا من الشباب يوجهون مساراتهم نحو الوظائف الحكومية، في وقت يحتاج فيه القطاع الخاص إلى مهارات تقنية ومهنية لا يجدها بسهولة.
وهنا تظهر المفارقة العراقية: نحن نريد اقتصادًا حديثًا، لكننا ما زلنا نبحث عن مستقبلنا المهني بعقلية الوظيفة التقليدية. نطالب بالتحول الرقمي، والاقتصاد المعرفي، وريادة الأعمال، والشركات الناشئة، ثم نعود في النهاية إلى السؤال ذاته: متى تفتح الدولة باب التعيين؟ فالقطاع الخاص ليس حلًا سحريًا، وهذه نقطة يجب ألا تُهمل. كثير من الشباب العراقيين يعملون في وظائف خاصة بأجور محدودة، وبعضهم يعمل بلا ضمان اجتماعي أو استقرار وظيفي. ويشير صندوق النقد إلى أن القطاع غير الرسمي يمثل جزءًا كبيرًا من سوق العمل العراقي، وأن القطاع العام يستحوذ على نحو 40% من إجمالي العمالة، وهو ما يجعل إصلاح سوق العمل أكثر تعقيدًا من مجرد مطالبة الشباب بالبحث عن وظائف خاصة ولكن المستقبل لا يمكن أن يبنى على انتظار الدولة وحدها. العالم يتغير، والمهن نفسها تتغير. مهارات البرمجة، وصناعة المحتوى، والتسويق الرقمي، وتحليل البيانات، والتصميم، والعمل الحر، والخدمات التقنية، أصبحت مسارات مهنية حقيقية في كثير من الاقتصادات. والعراق ليس معزولًا عن هذه التحولات، بل إن شبابه يمتلكون فرصة كبيرة للدخول إليها إذا تحول التعليم من مجرد طريق للحصول على الشهادة إلى طريق لاكتساب المهارة. والمشكلة ليست في أن يبحث الشاب عن الوظيفة، وإنما في أن يتوقف عن البحث عن نفسه عندما لا يجدها.
ولذلك فإن الجامعة العراقية مطالبة بإعادة تعريف علاقتها بسوق العمل. لا يكفي أن تخرج طالبًا يحمل شهادة في الإعلام أو الإدارة أو الهندسة أو الآداب، بل ينبغي أن تمنحه مهارة يستطيع استخدامها خارج جدران الجامعة. طالب الإعلام، مثلًا، يستطيع أن يتعلم صناعة المحتوى الرقمي، والتحقق من الأخبار، وإدارة المنصات، وإنتاج الفيديو والبودكاست، إلى جانب الصحافة التقليدية. عندها تصبح الشهادة بداية الطريق، لا نهايته.
وتظهر بعض المبادرات العراقية الحديثة التي تحاول معالجة الفجوة بين التعليم والعمل من خلال تطوير مهارات الشباب وخدمات البحث عن الوظائف. وقد أعلنت الأمم المتحدة في العراق خلال 2026 عن توسيع برامج دعم البحث عن العمل، بما في ذلك نوادي البحث عن الوظائف وتزويد الشباب بمهارات عملية مرتبطة بسوق العمل. فالمستقبل أيضًا يحتاج إلى تغيير ثقافة الأسرة. بعض العائلات لا تزال تنظر إلى الوظيفة الحكومية بوصفها المعيار الأعلى للنجاح، بينما تنظر إلى العمل الحر أو المشروع الصغير باعتباره مرحلة مؤقتة أو أقل شأنًا. هذه النظرة تحتاج إلى مراجعة؛ فالمهنة التي تمنح الإنسان استقلاله وتطوّر مهاراته وتحفظ كرامته لا تصبح أقل قيمة لأنها خارج الدائرة الحكومية. والعراق يمتلك طاقة شبابية هائلة، لكن الطاقة التي تقضي سنوات في الانتظار تتحول تدريجيًا إلى إحباط. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدلات عدم النشاط بين الشباب مرتفعة، كما أن نسبة الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب تمثل تحديًا كبيرًا لرأس المال البشري العراقي. ولهذا فإن معركة المستقبل ليست معركة تعيين فقط، بل معركة بناء اقتصاد يستطيع أن يستوعب الشباب ويمنحهم خيارات متعددة. الدولة مطالبة بتوفير بيئة عمل عادلة، والقطاع الخاص مطالب بتقديم وظائف لائقة، والجامعات مطالبة بتقليل الفجوة بين التخصصات وحاجات السوق، والشباب مطالبون بدورهم بالانتقال من انتظار الفرصة إلى الاستعداد لها وصناعتها عندما يستطيعون. فالعراقي لا يحتاج إلى أن يتوقف عن الحلم بالوظيفة، لكنه يحتاج إلى أن يوسع تعريفه للمستقبل. فالمستقبل لا يبدأ بقرار تعيين فقط، وقد لا يأتي في صورة مكتب حكومي وراتب شهري. ربما يأتي في مشروع صغير، أو شركة ناشئة، أو مهارة رقمية، أو مهنة حرة، أو فكرة تتحول إلى عمل. فالمجتمع الذي يركض خلف الوظيفة طوال الوقت قد يصل إلى وظيفة، لكنه قد يصل متأخرًا إلى المستقبل. أما المجتمع الذي يعلّم أبناءه كيف يعملون، وكيف يبتكرون، وكيف يصنعون فرصهم، وكيف يطورون مهاراتهم، فإنه لا ينتظر المستقبل عند أبواب المؤسسات، بل يبدأ بصناعته من اليوم.