رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين تدخل الرواية قاعة الجوائز ....السرد والجوائز بين سلطة التحكيم وذائقة القارئ


المشاهدات 1088
تاريخ الإضافة 2026/09/13 - 9:55 PM
آخر تحديث 2026/09/14 - 6:32 AM

في المشهد الثقافي المعاصر تبدو الجائزة الأدبية وكأنها شهادة نهائية على قيمة العمل الإبداعي. يكفي أن تحمل الرواية اسم جائزة كبيرة على غلافها حتى تتغير طريقة استقبالها ويزداد اهتمام القراء والناشرين والمترجمين بها. غير أن هذه الصورة اللامعة تخفي وراءها أسئلة كثيرة تتصل بطبيعة التحكيم وبسلطة المؤسسة وبذائقة القارئ وبالعلاقة الملتبسة بين الإبداع والمال.
من هذه الأسئلة انطلقت الجلسة الحوارية التي أقامها الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق حول السرد والجوائز. وقد أراد منظمو الجلسة أن تكون أقرب إلى الحوار منها إلى المحاضرة. فالموضوع لا يحتمل إجابة واحدة ولا يمكن اختزاله في موقف مؤيد للجوائز أو معارض لها. إنما يتعلق بظاهرة ثقافية لها تاريخ طويل ولها وجوه متعددة وقد تركت أثرها في مسيرة الرواية العربية والعالمية.
وكان السؤال الأول الذي فتح باب النقاش هو ذلك الفارق بين ذائقة لجنة التحكيم وذائقة القراءة العامة. فهناك روايات مهمة دخلت مسابقات أدبية ولم تفز ثم بقيت في ذاكرة الأدب. وهناك روايات حازت الجائزة الأولى لكنها لم تستطع أن تحقق المكانة نفسها لدى القراء.
وهنا تبرز سلطة القارئ بوصفها سلطة لا تستطيع لجنة التحكيم إلغاءها. فالقارئ هو الذي يمنح العمل حياته الطويلة حين يعود إليه ويقرأه ويعيد اكتشافه عبر الزمن.
يرتبط تاريخ الجوائز الأدبية الحديثة بجائزة نوبل التي بدأت في مطلع القرن العشرين. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الجائزة جزءا من المشهد الأدبي العالمي وأصبحت لحظة إعلانها حدثا يتجاوز حدود الأدب إلى الإعلام والسياسة والثقافة العامة.
لكن تاريخ نوبل نفسه يكشف أن الجائزة لم تكن بعيدة عن المفارقات. فقد رفض جورج برنارد شو الجائزة عام 1925. كما رفض جان بول سارتر جائزة نوبل للآداب عام 1964 بصورة طوعية مؤكدا رغبته في أن يبقى بعيدا عن المؤسسات الرسمية التي يمكن أن تحول أفكاره الحرة إلى إطار مؤسسي.
وفي الجانب الآخر ارتبطت الجائزة بقصص غياب عدد من الفائزين. فقد غاب نجيب محفوظ عن حفل نوبل عام 1988 بسبب خوفه من الطائرات وأرسل ابنتيه إلى جانب محمد سلماوي لقراءة خطابه. وغاب بوب ديلان عن حفل عام 2016 بسبب ارتباطات سابقة. أما بوريس باسترناك فقد واجه ظروفا سياسية حالت دون سفره إلى الحفل وأجبرته السلطات السوفيتية على رفض الجائزة. ولم تخل قصة دوريس ليسينغ من مفارقة أخرى، فقد فوجئت بالصحفيين أمام منزلها عندما كانت عائدة من سوق الخضار ولم تعرف سبب تجمعهم قبل أن يخبرها أحدهم بأنها فازت بجائزة نوبل. وإذا كانت نوبل قد اكتسبت شهرة عالمية فإن جائزة غونكور الفرنسية ظلت ذات حضور خاص في عالم الرواية. وقد تأسست عام 1903 وأصبحت واحدة من أشهر الجوائز الأدبية الفرنسية. ومن المفارقات التي ارتبطت بها أن قيمة الجائزة المادية محدودة جدا قياسا بما يحققه الفوز بها من شهرة وانتشار. وهذا التفصيل يكشف أن قيمة الجائزة لا تكمن دائما في المال. فالاسم الذي يحصل عليه الكاتب بعد الفوز قد يكون أهم من قيمة المبلغ نفسه. إذ تتحول الجائزة إلى مفتاح يفتح أبواب النشر والترجمة والقراءة والاهتمام الإعلامي.
غير أن السؤال الأكثر حساسية يبدأ عندما تتحول الجائزة من اعتراف أدبي إلى سلطة تفرض على النص قيمة جاهزة.يرى الروائي عباس لطيف أن ظاهرة الجوائز تنطوي على تناقضات كثيرة لأنها تضع سلطة المال في مواجهة سلطة المعرفة. فالكاتب لا يكتب في الأصل من أجل المقايضة المالية. إنه يكتب بحثا عن الذات والتاريخ والفكرة والإنسان. وقد يكتب لأنه يريد التعبير عن رؤية أو موقف أو فلسفة. وحين يدخل الإبداع في سوق الجوائز يصبح السؤال مشروعا حول الحدود الفاصلة بين القيمة الإبداعية والقيمة المادية.
إن المشكلة هنا ليست في تكريم الكاتب ولا في مكافأة الإبداع. وإنما في اللحظة التي يصبح فيها المال معيارا للقيمة. عندها يتحول العمل الأدبي من كونه تجربة إنسانية وفنية إلى سلعة تدخل في منافسة السوق.
وقد استعاد عباس لطيف في حديثه صورة قديمة من التراث العربي حين كان الشعراء يذهبون إلى مجالس الخلفاء والسلاطين ويحصلون على العطايا. ومن هذه الصورة انتقل إلى مفهوم أوسع يتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة. فالجائزة ليست ظاهرة غربية خالصة بل لها جذور قديمة في التاريخ الثقافي العربي أيضا.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدا، هل تمنح السلطة الجائزة للمبدع تقديرا لإبداعه أم تستخدم الجائزة لصناعة صورة معينة للمثقف؟ وهل يستطيع المبدع أن يحافظ على استقلاله حين تصبح الجائزة مرتبطة بمؤسسة أو جهة مانحة؟
يرى عباس لطيف أن بعض الجوائز يمكن أن تتحول إلى مدلول أيديولوجي. فليست كل مؤسسة تمنح المال للإبداع بعيدة بالضرورة عن التصورات الفكرية التي تحكمها. وقد تتحول الجائزة في بعض الحالات إلى جزء من صراع ثقافي أو سياسي أوسع. ويستشهد في هذا السياق بقضية باسترناك وبالرواية التي تحولت في زمن الحرب الباردة إلى وسيلة ضمن الصراع بين القوى الكبرى. فالنص الأدبي يمكن أن يكون جميلا ومهما في ذاته لكن استخدامه سياسيا قد يغير طريقة تلقيه ويضعه داخل سياقات لا علاقة مباشرة لها بجوهره الفني. وهنا تكمن خطورة الجائزة حين تتحول من تقدير للنص إلى وسيلة لإعادة توجيه القراءة.
وفي الجوائز العربية تبرز أسئلة أخرى تتصل بصورة المجتمع التي تبحث عنها بعض المؤسسات. وقد أشار المتحدث إلى تجربة تخص إحدى الروايات التي كان قد كتبها ورفض نصح بالمشاركة بها في إحدى الجوائز بحجة أن الجائزة تبحث عن صورة معينة للعراق. وتبدو هذه القضية جديرة بالتأمل لأن الأدب العراقي المعاصر واجه كثيرا من الأسئلة حول الطريقة التي يقدم بها العراق في الرواية. هل المطلوب أن يظهر المجتمع بوصفه مساحة للقتل والطائفية والخراب والحرب والعدمية؟ أم أن الرواية قادرة على تقديم الخراب وفي الوقت نفسه الاحتفاظ ببريق إنساني يمنح القارئ إمكانية الأمل؟
فالأدب ليس منشورا دعائيا ولا ينبغي له أن يخفي الألم. لكنه في الوقت نفسه ليس مضطرا إلى إعادة إنتاج صورة قاتمة واحدة عن المجتمع.
وعلى المستوى المحلي يطرح ملف الجوائز العراقية إشكالية أخرى تتصل بالتحكيم وباختيار اللجان. فقد أشار عباس لطيف إلى تجربته مع بعض الجوائز الثقافية العراقية وإلى ملاحظاته على طريقة اختيار المحكمين.
المشكلة الأساسية في رأيه أن المجالات الإبداعية المختلفة لا يمكن أن تدار بمنطق واحد. فالسرد له أدواته وتقنياته ومعاييره. والشعر له خصوصيته. والمسرح له عالمه المختلف. والقصة القصيرة تحتاج إلى معرفة دقيقة ببنيتها وأساليبها.
ولهذا فإن وضع شخص بعيد عن عالم الرواية في لجنة تحكيم خاصة بالرواية قد يؤدي إلى خلل في النتيجة. فالمسألة ليست مجرد معرفة عامة بالثقافة وإنما معرفة بالتخصص الذي ينتمي إليه العمل.
وهنا تعود الجائزة إلى سؤالها الأول. إذا كانت اللجنة لا تمتلك الأدوات الكافية للحكم على العمل فكيف يمكن أن تكون الجائزة حكما نهائيا على قيمته؟
في الطرف الآخر من الحوار قدمت الروائية بشرى الهلالي رؤية أكثر هدوءا تجاه الجوائز. فهي لا ترى في الجائزة شرا مطلقا ولا تعتقد أن الفوز بها ينتقص من قيمة الرواية.
السؤال عندها مختلف. من يحكم على من؟ هل الجائزة هي التي تمنح الرواية قيمتها أم أن الرواية هي التي تمنح الجائزة قيمتها؟
إن الجائزة في النهاية رأي نقدي مؤسسي يحدث في زمن معين وتحت ظروف معينة ومن خلال مجموعة من المحكمين. ولذلك فإن وصف الرواية بأنها الأفضل لا يعني أنها الأفضل بصورة مطلقة. فاللجنة مجموعة من القراء والنقاد والكتاب ولكل واحد منهم ذائقته وتجربته ورؤيته. ومن هنا فإن الجائزة لا تصنع الرواية. لكنها تستطيع أن تصنع انتشارها.
لا يمكن إنكار الأثر الإيجابي للجوائز الكبيرة في حياة بعض الأعمال. فقد تمنح الرواية فرصة واسعة للانتشار والترجمة والوصول إلى قراء لم تكن تستطيع الوصول إليهم بسهولة.
وتقدم رواية أحمد سعداوي  فرانكشتاين في بغداد  مثالا واضحا على ذلك. فالرواية كانت موجودة بقيمتها الفنية قبل الفوز بالجائزة. لكن الفوز منحها اهتماما أوسع وفتح أمامها أبوابا جديدة في القراءة والترجمة والانتشار.
وهذا يعني أن الجائزة قد لا تصنع القيمة لكنها تساعد في إظهارها.
الأمر نفسه يمكن أن ينطبق على روايات أخرى وصلت إلى جمهور واسع بعد حصولها على جوائز عربية. فالكاتب الذي كان مجهولا يمكن أن يصبح اسمه معروفا خلال أيام. والرواية التي كانت حبيسة رفوف محدودة يمكن أن تدخل سوقا أوسع وتصبح موضوعا للقراءة والنقد والترجمة.

إذن للجائزة وجه آخر لا ينبغي تجاهله. إنها تمنح الكاتب فرصة. لكنها لا تستطيع أن تضمن له البقاء.
تطرح بشرى الهلالي فكرة تبدو للوهلة الأولى مفارقة. فقد يكون الفوز بالجائزة أخطر ما يحدث للرواية .
ليس لأنها ضد الجائزة وإنما لأن الفوز قد ينقل القارئ من مرحلة السؤال إلى مرحلة التسليم. قبل الجائزة يسأل القارئ هل هذه الرواية مهمة؟ هل تستحق القراءة؟ أما بعد الجائزة فقد يتحول السؤال إلى افتراض مسبق يقول إن الرواية مهمة لأنها فازت.
وهنا تكمن خطورة تحويل الجائزة إلى معيار نهائي.
الأدب لا يخضع لجدول حسابي، لا توجد عشرة من عشرة في اللغة وعشرة من عشرة في الأسلوب وعشرة من عشرة في بناء الشخصيات ثم تجمع الدرجات لتصبح الرواية عظيمة.
الرواية عمل حي. وقيمتها الحقيقية قد تظهر بعد سنوات وربما بعد عقود. وقد يحدث أن تفقد رواية فائزة بريقها بينما تبقى رواية لم تحصل على أي جائزة حاضرة في الذاكرة الأدبية.
بين سلطة اللجنة وسلطة المؤسسة وسلطة المال تبقى سلطة أخرى أكثر هدوءا وأكثر قدرة على البقاء وهي سلطة القارئ.
القارئ لا يمنح ميدالية ولا يكتب شهادة رسمية لكنه يمنح الرواية شيئا لا تستطيع أي جائزة أن تمنحه وهو الحياة.
قد تنتهي مراسم التتويج وتغلق القاعة وتختفي الصور الصحفية وتبقى الرواية وحدها أمام الزمن. عندها يبدأ الامتحان الحقيقي.
إن الجائزة قد تفتح الباب لكنها لا تستطيع أن تجعل القارئ يحب النص. وقد ترفع الرواية إلى واجهة المشهد لكنها لا تستطيع أن تضمن لها مكانا في الذاكرة.
لهذا فإن الجائزة ينبغي أن تبقى تكريما لا وصاية. 
وينبغي أن تكون وسيلة للاحتفاء بالإبداع لا بديلا عن القراءة. فالرواية التي تحتاج إلى جائزة كي يقرأها الناس قد تربح لحظة لكنها لا تضمن المستقبل.
أما الرواية التي تمتلك قدرتها على البقاء فإنها تستطيع أن تتجاوز كل اللجان وكل المؤسسات وكل الجوائز.
وفي النهاية ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو من فاز بالجائزة ومن لم يفز. السؤال الأعمق هو ماذا بقي من الرواية بعد أن انتهت الجائزة؟ هناك فقط يبدأ الأدب.


تابعنا على
تصميم وتطوير