
يشهد المجتمع العراقي بين حين وآخر مبادرات فردية تستحق الثناء، لأنها تأتي من أشخاص اختاروا أن يقدموا شيئًا لمدينتهم وناسهم من دون انتظار مقابل. فمن حملات تنظيف ضفاف الأنهار، إلى تشجير المناطق السكنية والطرق الخارجية، وصيانة بعض النصب والتماثيل، مرورًا بمبادرات بناء بيوت منخفضة الكلفة للعوائل المتعففة والأيتام، أو شراء مركبات «تكتك» لمساعدة بعض الشباب على إيجاد مصدر رزق، تتعدد صور الخير حين يشعر الإنسان أن مجتمعه يحتاج إلى يده.
ومن المبادرات التي لفتت انتباهي مؤخرًا مبادرة الفنان العراقي والخطاط جاسم حميد علوان، الذي أعلن عن دورات وورش مجانية لتعليم الخط العربي تحت عنوان «حسّن خطك».
قد تبدو المبادرة بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تلامس جانبًا مهمًا من حياتنا اليومية.
ففي زمن أصبحت فيه أصابعنا أسرع من أقلامنا، وأصبحت الكتابة على الحاسوب والهاتف المحمول جزءً أساسيًا من حياتنا، أخذ الخط اليدوي يتراجع شيئًا فشيئًا. وربما أصبح بعض الشباب يكتبون صفحات كاملة على لوحة اللاب توب لكنهم يترددون عندما يُطلب منهم أن يكتبوا فقرة بخط اليد.
لهذا تأتي مبادرة «حسّن خطك» لتعيد الاعتبار إلى القلم والورقة، ليس بوصفهما وسيلتين قديمتين للكتابة فحسب، وإنما باعتبار الكتابة اليدوية مهارة تستحق البقاء
والخط الجميل ليس زينة فقط. إنه وسيلة للتعبير، ودليل على العناية، وقد يكون أحيانًا سببًا في تجنب مشكلة لا تخطر على بال صاحبها.
فكم من معاملة إدارية كُتب فيها حرف بصورة غير واضحة، أو تغيرت فيها كلمة بسبب سوء الخط، فاضطر المواطن إلى مراجعة الدائرة أكثر من مرة لتصحيحها؟ وقد يبدو الفرق بين حرف وآخر بسيطًا على الورق، لكنه في بعض المعاملات قد يغير اسمًا أو عنوانًا أو معلومة مهمة، ويحوّل الإجراء البسيط إلى رحلة من المراجعات والتواقيعتمتد لأيام، وأحيانا لأشهر
الأجمل في مبادرة الخطاط جاسم حميد علوان أنها لا تضع الفن في برج بعيد عن الناس، ولا تجعله حكرًا على المتخصصين. فهو يفتح باب التعلم أمام الطلبة والموظفين وسواهم، كبارا وصغارا، ومجانًا، ليقول إن المعرفة يمكن أن تكون فعلًا اجتماعيًا أيضًا.. وهنا تكمن قيمة المبادرات الفردية.
ليس مطلوبًا من كل إنسان أن يبني مدرسة أو مستشفى كي يخدم مجتمعه. قد يخدمه آخر بتنظيف رصيف أو زراعة شجرة، أو ترميم نصب، أو مساعدة عائلة، وقد يخدمه فنان بأن يعلّم الناس شيئًا أتقنه خلال سنوات طويلة.
والخطاط الذي يمسك القلم ليعلّم الآخرين كيف يكتبون بصورة أجمل، إنما يفعل أكثر من تعليمهم شكل الحروف، إنه يذكّرهم بأن هناك أشياء جميلة في حياتنا لا ينبغي أن تختفي لمجرد أن التكنولوجيا جعلت حياتنا أسرع.
حسّن خطك.. فقد تكون في جمال الكلمة بدايةُ تحسين شيء آخر في حياتنا.