
صدر هذا الكتاب في عام 2001، قبل أسابيع قليلة من أحداث 11 سبتمبر، ليشكل تشخيصاً عميقاً لحالة السياسة الخارجية الأميركية في مطلع الألفية الثالثة. يطرح كيسنجر سؤالاً استفزازياً: هل تحتاج أميركا إلى سياسة خارجية؟ في عالم يبدو فيه تفوقها العالمي غير مسبوق، تتجنب الحملات الانتخابية مناقشة السياسة الخارجية، ويتراجع اهتمام الأميركيين بالشؤون الدولية. يجادل كيسنجر بأن القوة الهائلة وحدها لا تكفي، وأن الدبلوماسية بحاجة إلى رؤية تقوم على المصالح الوطنية الدائمة، مع موازنتها مع المثل العليا كالديمقراطية وحقوق الإنسان. الكتاب ليس مذكرات شخصية، بل دليل استراتيجي لصناع القرار وللمواطن المهتم بالشؤون الدولية.
تنطلق أطروحة كيسنجر من مفارقة: الولايات المتحدة هي القوة الأعظم في التاريخ من الناحية العسكرية والاقتصادية والثقافية، لكنها تفتقر إلى سياسة خارجية متماسكة وطويلة المدى. ينتقد كيسنجر نهج «المثالية» (الذي يصرّ على نشر الديمقراطية في كل مكان) ونهج «اليمين الجاكسوني» (الذي يرى أن القوة الأميركية وحدها كافية لحماية المصالح)، ويدعو إلى مزج الواقعية بالمثالية في سياسة متماسكة. جوهر رسالته أن التحدي الحقيقي هو التوفيق بين التقليدين المتنازعين في السياسة الخارجية الأميركية: المثالية (المدرسة اليلسونية) والواقعية (مدرسة التوازن).
الفصل الأول: أميركا في القمة – إمبراطورية أم قائدة؟
يفتتح كيسنجر بوصف الهيمنة الأميركية الفريدة في مطلع القرن الحادي والعشرين، من الناحية العسكرية والاقتصادية والثقافية. لكنه يطرح مفارقة: رغم هذه القوة، يتراجع اهتمام الأميركيين بالسياسة الخارجية، وتتجنب الحملات الانتخابية مناقشتها. يطرح كيسنجر السؤال المحوري: هل ينبغي لأميركا أن تكون «إمبراطورية» تفرض هيمنتها، أم «قائدة» تبني تحالفات وتحترم شركاءها؟
الفصل الثاني: أميركا وأوروبا – عالم الديمقراطيات (الجزء الأول)
يركز هذا الفصل على العلاقات الأطلسية بعد الحرب الباردة. يناقش كيسنجر تحولات الحلف الأطلسي، والتحديات الناشئة عن التكامل الأوروبي (الاتحاد الأوروبي)، والسياسة الدفاعية الأوروبية، وقضية الدرع الصاروخية التي اختلفت فيها وجهات النظر الأميركية والأوروبية. كما يخصص مساحة لعلاقة أميركا بروسيا في عهد بوتين، ويدعو إلى بناء هيكل جديد للعلاقات الأطلسية يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
الفصل الثالث: نصف الكرة الغربية – عالم الديمقراطيات (الجزء الثاني)
يتناول هذا الفصل أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. يصف كيسنجر التحولات الثورية في المنطقة (التحول نحو الديمقراطية)، ويتناول تحديات جديدة مثل الفقر وعدم الاستقرار. يخصّص جزءاً لخطة كولومبيا في مكافحة المخدرات، ويناقش آفاق التكامل الاقتصادي من خلال اتفاقيات التجارة الحرة (NAFTA) وميركوسور (Mercosur).
الفصل الرابع: آسيا – عالم التوازن
يعد هذا الفصل من الأهم في الكتاب، حيث يركز على منطقة تشهد تنافساً جيوسياسياً معقداً. يناقش كيسنجر العلاقات مع اليابان وكوريا، ثم يخصص مساحة واسعة للصين: يدرس السياق التاريخي للعلاقة الأميركية-الصينية والسياق الاستراتيجي، ويتناول قضية تايوان الحساسة. كما يناقش صعود الهند كقوة إقليمية. خلاصة كيسنجر أن آسيا تتطلب سياسة «توازن» دقيقة تراعي مصالح القوى الكبرى المتعددة، عكس النموذج الأوروبي القائم على التحالفات الديمقراطية.
الفصل الخامس: الشرق الأوسط وأفريقيا – عوالم في مرحلة انتقالية
يتناول هذا الفصل منطقتين تعانيان من عدم الاستقرار. يناقش الصراع العربي-الإسرائيلي ودور أميركا كوسيط، ثم ينتقل إلى منطقة الخليج، متناولا العراق تحت عقوبات ما بعد حرب الخليج وإيران وما تطرحه من تحديات. كما يخصص مساحة لأفريقيا: يناقش بيئة الصراعات والفقر، ويدعو إلى سياسة أميركية أفريقية أكثر فعالية تراعي الخصوصيات المحلية.
الفصل السادس: سياسات العولمة
يناقش هذا الفصل التحديات الاقتصادية للعولمة. يرى كيسنجر أن السياسة الخارجية يجب أن تعلو على السياسة الاقتصادية. يتناول أزمات الأسواق المالية ودور صندوق النقد الدولي في إدارتها، ويناقش كيف يمكن التوفيق بين التطور الاقتصادي والاستقرار السياسي في عصر العولمة، محذراً من أن العولمة الاقتصادية دون إطار سياسي قد تؤدي إلى فوضى.
الفصل السابع: السلام والعدالة
يعالج هذا الفصل أكثر القضايا إشكالاً في السياسة الخارجية الأميركية: متى وكيف تتدخل أميركا لأسباب إنسانية؟ يستعرض كيسنجر التقليدين الأميركيين: تقليد روزفلت (الواقعي) وتقليد ويلسون (المثالي). يضع أربعة مبادئ للتدخل الإنساني توفق بين المصلحة الوطنية والقيم الإنسانية، ويناقش قضية الولاية القضائية العالمية التي كانت تهدد بمحاكمة شخصيات سياسية.
الخاتمة: المعلومات والمعرفة
يختتم كيسنجر بالتأكيد على أن المعلومات وحدها لا تصنع سياسة خارجية حكيمة، بل تحتاج إلى معرفة – أي فهم عميق للتاريخ والثقافات والسياق. يدعو إلى قيادة تستطيع رؤية الصورة الكبيرة، وتجاوز ردود الأفعال اليومية إلى استراتيجية طويلة المدى.
وُصف الكتاب بأنه «جولة استكشافية» حول العالم يقدّمها الدبلوماسي الأميركي الأشهر. اعتبره البعض مقدمة ممتازة في العلاقات الدولية والدبلوماسية، بأسلوب «رزين، سهل الوصول، موجز، وشامل». وأشيد بقدرة كيسنجر على تقديم تحليل إقليمي متوازن دون فرض إطار تفسيري واحد، وبحثه عن طريق وسط بين اليمين واليسار الأميركي.
تعرض الكتاب لانتقادات لاذعة. وصفه الناقد في الغارديان بأنه «تحفة في المراوغة» خالية من القيمة. ورأى آخرون أن كيسنجر، بصفته مهندس سياسة «الواقعية» في حقبة الحرب الباردة، يكرر حلولاً عفا عليها الزمن. كما اتهمه البعض بالفشل في تقديم توليفة حقيقية بين القضايا التقليدية (كالتوازن) والقضايا الجديدة (كالبيئة).
يرى كيسنجر أن القوة الأميركية الهائلة لا تكفي وحدها، وأن التحدي الحقيقي هو التوفيق بين المثالية (نشر الديمقراطية) والواقعية (توازن القوى) في سياسة خارجية متماسكة. ويدعو إلى سياسة «رابضة» تراعي خصوصيات كل منطقة: تحالفات في أوروبا، توازن في آسيا، وساطة في الشرق الأوسط.
في رأيك، هل يمكن فعلاً التوفيق بين القيم والمصالح في السياسة الخارجية، أم أن الواقعية السياسية تغلّب المصالح دائماً في النهاية؟ وهل ما زالت رؤية كيسنجر للعالم صالحة بعد أحداث 11 سبتمبر وصعود الصين وعودة التنافس بين القوى الكبرى؟ وهل تحتاج الدول العربية إلى «سياسة خارجية» متماسكة على غرار ما يطرحه كيسنجر لأميركا؟