رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
تاريخ العراق السياسي ....كيف أسهم الاستبداد والتمسك بالسلطة بتغييب الهوية الوطنية ؟


المشاهدات 1107
تاريخ الإضافة 2026/09/14 - 10:49 PM
آخر تحديث 2026/09/15 - 11:09 AM

يبحث الكتاب في التطورات السياسية في العراق منذ فترة التأسيس في العام 1921 حتى الاحتلال الأمريكي عام 2003 وما بعده. ينطلق البحث من فكرة مفادها أنه منذ بداية الدولة العراقية، تفرع «المشروع العراقي» إلى ثلاثة مشاريع مترابطة: تعزيز الدولة ومؤسساتها الحاكمة، وشرعنة الدولة من خلال تشكيل بنيتها الديمقراطية، وتشكيل الهوية الوطنية الجامعة والشاملة. يختلف الكتاب عن الكتب الأخرى التي تناولت تاريخ العراق في أنه يقتفي تطور تلك المشاريع الثلاثة (الحكومة والديمقراطية والهوية الوطنية) بصورة منفصلة، لكنه في الوقت نفسه يحاول التركيز على الكيفية التي أسهم بها كل من تلك المشاريع في تشكيل المشروعين الآخرين والتأثير فيهما. يغطي الكتاب الفترة من تأسيس الدولة الملكية على يد البريطانيين، مروراً بالجمهورية وحكم عبد الكريم قاسم، وانقلابات البعث، وصعود صدام حسين ونظامه الشمولي، وصولاً إلى الانهيار بعد الاحتلال الأمريكي والتحديات التي واجهت بناء الديمقراطية في عراق ما بعد 2003. يتمحور الكتاب حول أطروحة أساسية: أن الدولة العراقية واجهت منذ نشأتها ثلاثة تحديات مترابطة – بناء مؤسسات حاكمة فعالة، وإرساء دعائم الديمقراطية، وصياغة هوية وطنية جامعة – وأن فشل هذه المشاريع الثلاثة في مراحل مختلفة هو السبب الجذري للأزمات المتكررة التي عصفت بالعراق. يرى داويشه أن النخب الحاكمة في العراق، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري أو البعثي، كانت تدرك أهمية هذه المشاريع لكنها كانت تتردد في تنفيذها بصدق، خوفاً من فقدان السيطرة على السلطة. هذا التردد، إلى جانب العوامل الخارجية (كالتدخل البريطاني ثم الأمريكي) والداخلية (الانقسامات الإثنية والطائفية والقبلية)، أدى إلى إضعاف الدولة وتآكل شرعيتها، وجعلها عرضة للانهيار. يخلص الكتاب إلى أن فشل بناء هوية وطنية شاملة، وضعف المؤسسات الديمقراطية، وهشاشة الدولة، كلها عوامل أسهمت في تحويل العراق من دولة حديثة إلى كيان هش يعاني من التشرذم والعنف.
المقدمة 
يحدد الإطار النظري للكتاب، ويطرح المشاريع الثلاثة (الحكومة، الديمقراطية، الهوية) كعدسة تحليلية لفهم تاريخ العراق. يناقش كيف أن الاحتلال الأمريكي عام 2003 أعاد إنتاج نفس التحديات التي واجهتها الدولة العراقية منذ تأسيسها، مشيراً إلى أن الأمل الأولي بالتحول الديمقراطي سرعان ما تلاشى بسبب الفشل في بناء مؤسسات قوية وهوية جامعة.
ويتناول مرحلة تأسيس الدولة العراقية على يد البريطانيين، وتنصيب الملك فيصل ملكاً عام 1921. يناقش الصراعات المبكرة بين الملك والمندوب السامي البريطاني، ودور النخبة السياسية (السنة في الغالب) في بناء مؤسسات الدولة. يركز على معضلة الحكم في مجتمع منقسم إثنياً وطائفياً، ويحلل كيف استخدم الملك فيصل السياسات التوازنية لإضفاء الشرعية على حكمه، لكنه واجه تحديات من القبائل ورجال الدين الشيعة والقوميين العرب. كما يتناول دور الجيش في إخضاع التمردات العشائرية والآشورية، مما أسس لتدخل الجيش في السياسة لاحقاً.
أخطاء رافقت تشكيل الديمقراطية
يحلل هذا الفصل التطورات الديمقراطية المبكرة في العهد الملكي. يناقش كيف أن الدستور أعطى صلاحيات واسعة للملك، مما أضعف البرلمان وجعله أداة بيد السلطة التنفيذية. يتناول دور الأحزاب السياسية والصحافة في خلق فضاء عام للنقاش، لكنه يشير إلى تدخل الحكومة والتلاعب بالانتخابات. يستعرض كيف أن النخبة الحاكمة كانت تتظاهر بالتزام الديمقراطية لكنها كانت في الواقع تستخدمها كغطاء لتعزيز هيمنتها. يخلص إلى أن الممارسات الديمقراطية في العهد الملكي كانت هزيلة ومحدودة، لكنها مع ذلك خلقت تقاليد من المعارضة والنقد لم تكن موجودة من قبل.
أمة تبحث عن هوية 
يركز على مشروع بناء الهوية الوطنية. يناقش الانقسامات المجتمعية العميقة بين العرب والأكراد، والسنة والشيعة، والقبائل والمدن. يستعرض جهود النخبة الحاكمة، بقيادة ساطع الحصري، في صياغة هوية عراقية عبر النظام التعليمي العلماني والقومي. يوضح كيف أن التركيز على القومية العربية استبعد الأكراد وأبعد الشيعة، مما أعاق بناء هوية جامعة. يخلص إلى أن الهوية الوطنية ظلت ضعيفة أمام الهويات الفرعية (الطائفية والقبلية والإثنية)، وهو ما جعل الدولة عرضة للانقسام.
الحكومة في مواجهة الاضطرابات
يتناول الفترة من 1921 إلى 1936، ويركز على التحديات التي واجهت الدولة من القبائل ورجال الدين والشيعة والأكراد. يناقش كيف استخدمت الدولة القوة (الجيش والقوات الجوية) لإخضاع التمردات، لكنها فشلت في كسب ولاء هذه الجماعات. يبرز دور الملك فيصل في محاولة دمج الشيعة في مؤسسات الدولة، لكنه يشير إلى أن الهيمنة السنية استمرت، مما زاد من استياء الشيعة والأكراد. يخلص إلى أن الاعتماد على القوة العسكرية بدلاً من المصالحة السياسية زاد من تآكل شرعية الدولة.
عقبات في طريق الديموقراطية 
يغطي الفترة 1936–1958، ويناقش كيف أن الانقلابات العسكرية (أولها عام 1936) عطلت مسيرة الديمقراطية. يحلل دور الجيش في التدخل السياسي، وكيف أن النخب المدنية كانت تتلاعب بالجيش لتحقيق أهدافها، مما أدى إلى إضعاف المؤسسات المدنية. يركز على فشل التجربة الليبرالية النسبية في الأربعينيات والخمسينيات، حيث كانت الحكومات تمنح بعض الحريات ثم تسحبها. يخلص إلى أن غياب الاستقرار المؤسسي والاعتماد على القوة العسكرية جعل الديمقراطية مستحيلة.
القومية والانقسام الإثني والطائفي 
يحلل كيف أن صعود القومية العربية في الخمسينيات، بقيادة جمال عبد الناصر، زاد من حدة الانقسامات في العراق. يناقش كيف أن النخبة السنية الحاكمة كانت تتبنى القومية العربية كأيديولوجية رسمية، مما أبعاد الشيعة (الذين كانوا يخشون من الهيمنة السنية في الوطن العربي) والأكراد (الذين رأوا في القومية العربية تهديداً لهويتهم). يبرز كيف أن الصراع بين الهوية العراقية (التي تضم جميع المكونات) والهوية العربية (التي تستبعد الأكراد وتهمش الشيعة) كان أحد العوامل الرئيسية لعدم الاستقرار، وساهم في سقوط الملكية عام 1958.
النظام السياسي في العهد الملكي 
يقدم تقييماً شاملاً للنظام السياسي الملكي (1921–1958). يناقش الجمود المؤسسي، حيث ظل نفس السياسيين (نوري السعيد، عبد الإله، وغيرهم) يسيطرون على السلطة لعقود، مما حال دون تجديد النخبة. يحلل دور الشيوخ والإقطاعيين في دعم النظام، والفساد المستشري، والاعتماد على القوة البريطانية. يخلص إلى أن النظام الملكي، رغم بعض الممارسات الليبرالية، كان استبدادياً في جوهره، وأن فشله في التكيف مع التحولات الإقليمية (صعود القومية العربية) والداخلية (توسع الطبقة الوسطى) قاد إلى سقوطه في انقلاب 1958.
جمهورية الاستبداد 
يغطي الفترة 1958–1968، بدءاً من انقلاب عبد الكريم قاسم. يحلل كيف أن قاسم، رغم بعض الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، حوّل السلطة إلى نظام شخصاني حول «الزعيم الأوحد»، وأضعف المؤسسات الديمقراطية. يناقش صعود الشيوعيين ثم تراجعهم، والصراع مع القوميين العرب، والأزمة الكردية التي أنهكت الدولة. ثم يتناول انقلاب حزب البعث عام 1963، وحكم عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، ويسلط الضوء على الطابع العسكري والاستبدادي لهذه الفترة، حيث غابت المؤسسات الديمقراطية وتراجعت الهوية الوطنية لصالح الطائفية السنية.
الدولة تحكم بلا قوانين 
يتناول الفترة 1968–2003، وهي حقبة حزب البعث وصعود صدام حسين. يركز على كيف حوّل صدام الدولة إلى أداة قمع شمولية، مركزاً كل السلطة في يده، ومستخدماً الإرهاب والتطهير والتأليه لترسيخ حكمه. يناقش كيف أن النظام البعثي، رغم بعض الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية في السبعينات، حوّل المؤسسات إلى أجهزة أمنية ودعائية، وقوض أي أمل بديمقراطية أو هوية وطنية جامعة. يحلل حروب صدام (مع إيران، وغزو الكويت، وحرب الخليج) وكيف أنها دمرت الاقتصاد وزادت من معاناة الشعب، وأدت إلى انتفاضات 1991 التي قمعت بوحشية. يخلص إلى أن صدام استبدل الهوية الوطنية بالهوية القبلية والعائلية، مما زاد من تشظي المجتمع العراقي وجعله أضعف أمام الاحتلال.
السياسة في الحقبة الجديدة 
يغطي الفترة من الاحتلال الأمريكي عام 2003 حتى عام 2006/2007. يناقش قرارات سلطة الائتلاف المؤقت (حل الجيش واجتثاث البعث) وكيف أنها فاقمت الفوضى وأشعلت التمرد السني. يحلل الانتخابات الأولى (2005) وبروز التحالفات الطائفية والإثنية، وكيف أن «سياسة المحاصصة» التي أسستها سلطة الاحتلال حولت المؤسسات إلى إقطاعيات طائفية. يركز على فشل الحكومة في تقديم الخدمات والأمن، وصعود المليشيات (السنية والشيعية ) والهجرة القسرية والتطهير الطائفي. يخلص إلى أن الديمقراطية التي أُدخلت في العراق أصبحت رهينة للهويات الضيقة، مما جعل الدولة عاجزة عن فرض سيادتها. يختتم الكتاب بسؤال مصيري: هل سيبقى العراق دولة موحدة؟ يناقش عوامل التفكك: ضعف الدولة، غياب الهوية الوطنية، وتجذّر الهويات الفرعية. يقارن بين سياسات الدولة في العهد الملكي والجمهوري (التي كانت تسعى إلى صهر الهويات) وسياسات ما بعد 2003 (التي شرعنت الانقسامات). يرى داويشه أن استمرار ضعف الدولة، وعجزها عن تقديم الخدمات والأمن، سيعزز التشرذم. لكنه يشير إلى أن التقدم الأمني في 2007–2008 (كصحوات العشائر وحملات المالكي ضد الارهاب) قد يعيد بعض الأمل. يختتم بالتأكيد أن مستقبل العراق يعتمد على قدرة الدولة على استعادة هيبتها وبناء هوية وطنية جامعة، لكن الطريق طويل وشاق.
يقدّم الكتاب دروساً جوهرية لفهم تاريخ العراق وأزماته:
الدولة العراقية وُلدت ضعيفة: بسبب الانقسامات المجتمعية والتدخل الخارجي، كانت الدولة منذ البداية مشروعاً نخبوياً هشاً.
المشاريع الثلاثة مترابطة: لا يمكن بناء دولة قوية دون هوية جامعة، ولا يمكن إرساء الديمقراطية دون مؤسسات فاعلة وهوية جامعة.
فشل النخب الحاكمة: سواء في العهد الملكي أو الجمهوري أو البعثي، فضّلت النخب الحاكمة البقاء في السلطة على حساب بناء دولة قوية ومؤسسات ديمقراطية وهوية جامعة.
العامل الخارجي (البريطاني ثم الأمريكي) لعب دوراً مزدوجاً: ساعد في بناء الدولة لكنه قوّض استقلالها وشرعيتها.
ما بعد 2003 أعاد إنتاج التحديات نفسها: سياسة المحاصصة الطائفية والإثنية شرعنت الانقسامات، بدلاً من حلها، مما جعل الدولة أضعف من أي وقت مضى.
ويُعد كتاب «العراق: تاريخ سياسي من الاستقلال إلى الاحتلال» واحداً من أهم الكتب التحليلية عن تاريخ العراق الحديث. يقدّم عضيد داويشه قراءة نقدية وموضوعية لتطور الدولة العراقية عبر ثلاثة مشاريع مترابطة: الحكم والديمقراطية والهوية. من خلال اثني عشر فصلاً، يغطي الكتاب الفترة من تأسيس الدولة الملكية عام 1921 إلى الاحتلال الأمريكي وما بعده، مسلطاً الضوء على فشل النخب الحاكمة في بناء دولة قوية ومتماسكة، وتأثير العوامل الخارجية والداخلية على هذا الفشل. الكتاب ليس مجرد تأريخ أكاديمي، بل هو تحليل معمق لأسباب الأزمات المتكررة التي عصفت بالعراق، ويقدّم رؤية واضحة للتحديات التي تواجه مستقبل البلاد. إنه مرجع أساسي لكل باحث أو مهتم بفهم تعقيدات السياسة العراقية في القرن العشرين وما بعده.
ويرى داويشه أن فشل العراق في بناء دولة قوية هو نتيجة لتردد النخب الحاكمة في تنفيذ المشاريع الثلاثة (الحكم، الديمقراطية، الهوية) بصدق، خوفاً من فقدان السيطرة على السلطة. كما يرى أن سياسات ما بعد 2003، وخاصة المحاصصة الطائفية والإثنية، أعادت إنتاج التحديات نفسها بدلاً من حلها.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير