
كما نعلم، لم تعد الحرب بين إيران وأمريكا محصورة في ميدان المواجهة المباشرة بين الطرفين. فامتداد الأزمة إلى ناقلات النفط ومضيق هرمز، وتصاعد العقوبات، وهجمات الحوثيين على السعودية، وبروز «اتفاقية مكة» الدفاعية بين السعودية وباكستان وتركيا، مع استمرار الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان في الوقت ذاته، كل ذلك وسّع الجغرافيا الجيوسياسية للأزمة بشكل مقلق. والسؤال الجوهري الذي يواجه طهران اليوم لم يعد فقط كيفية التعامل مع واشنطن؛ بل الأهم هو: هل سيؤدي تعدد الجبهات في النهاية إلى تعزيز قوة الردع الإيرانية، أم أنه سيدفع، على العكس، دولًا ليست بالضرورة معادية لإيران نحو تشكيل توازن أمني جديد ضد طهران؟
تُظهر التطورات الأخيرة أن الصراع الإيراني-الأمريكي دخل مرحلة تتسع حدودها بسرعة، ولم يعد حربًا ثنائية بين إيران وأمريكا. فوصول الحرب إلى ناقلات النفط وأمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز أخرج الأزمة من كونها مواجهة عسكرية بين طهران وواشنطن، وربطها مباشرة بأمن الطاقة والتجارة العالمية. ومنذ هذه المرحلة، لم يعد أي تطور في هرمز شأنًا إيرانيًا-أمريكيًا فحسب؛ بل باتت دول الخليج، والقوى الآسيوية المعتمدة على طاقة المنطقة، والاقتصادات الكبرى في العالم، أطرافًا معنية مباشرة به.
في الوقت ذاته، لم تتخلَّ واشنطن عن مسار الضغط الاقتصادي، وتعتزم تشديد حلقة العقوبات الخانقة يومًا بعد يوم؛ عقوبات لم يسبق لها مثيل على المستوى العالمي وقاسية جدًا، في مقابل صمود وصبر لا مثيل لهما من المجتمع الإيراني. وفي الأسبوع المنصرم، فُرضت عقوبات جديدة على قطاع الطيران الإيراني، شملت 27 شركة طيران، وهو ما يظهر أن أمريكا، إلى جانب الأداة العسكرية، لا تزال تسعى لرفع التكاليف الاقتصادية والاتصالية على إيران. بعبارة أخرى، يسير الضغط العسكري والاقتصادي والجيوسياسي بشكل متوازٍ. لكن ثمة نقطة دقيقة ومعقدة أخرى آخذة في التشكل؛ ذلك أن أهم تطور بالنسبة لمستقبل التوازن الإقليمي لا يتشكل في واشنطن ولا حتى في هرمز، بل في الجبهة الجنوبية، وفي العلاقة بين اليمن والسعودية، وهو ما سيُقحم إيران فيه بشكل أو بآخر.
وما تكشفه الأخبار اليومية من هجمات صاروخية ومسيّرة يشنها الحوثيون على أهداف داخل السعودية، يطرح مجددًا ذلك السؤال القديم: كيف ينبغي تعريف علاقة طهران بالفاعلين المسلحين في المنطقة؟ وهل تُشكّل هجمات الحوثيين على السعودية مفارقة استراتيجية آخذة في التبلور؟
فما هو مطروح على مستوى وسائل الإعلام هو اعتبار الحوثيين قوة وكيلة لإيران. لكن إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، أكد مجددًا استقلالية «أنصار الله» في اتخاذ قراراتها، ورفض نسبة تصرفات الحوثيين إلى طهران، معتبرًا فكرة «القوى الوكيلة» غير منطقية — وهذا الموقف واضح من المنظور الرسمي الإيراني. غير أن جوهر المسألة في السياسة الدولية لا يقتصر على كيفية تعريف طهران لهذه العلاقة؛ فتصورات الفاعلين الإقليميين الآخرين لها أهميتها أيضًا، كما أن وسائل الإعلام العالمية تقدّم للرأي العام العالمي تعريفًا مختلفًا عن التعريف الإيراني.
فالحوثيون وحزب الله اللبناني عملوا خلال السنوات الماضية ضمن بيئة استراتيجية تتقاطع إلى حد كبير مع سياسة مواجهة أمريكا وإسرائيل ورفع كلفة أي عمل ضد إيران. وهذه الشبكة، بصرف النظر عن الخلاف حول تسمية «الوكالة»، تُعتبر عمليًا جزءًا من بيئة الردع الإقليمي لإيران.
ودخلت المواجهة بين قوات أنصار الله اليمنية والسعودية، إلى جانب المواقف الأخيرة لحكومتي باكستان وتركيا استنادًا إلى «اتفاقية مكة» الدفاعية، مرحلة جديدة من الأهمية الاستراتيجية. وعلى هذا الأساس، بدأت تظهر مفارقة جدية: فإذا كان نشاط القوى المتحالفة مع إيران يدفع دول المنطقة إلى التقارب في مواجهة تهديد مشترك، فإن الأداة التي كان من المفترض أن تمنح إيران عمقًا استراتيجيًا قد تتحول إلى عامل يمنح منافسي إيران عمقًا استراتيجيًا بدلًا منها.
ويدرك المتابعون للشأن الدولي أن مبدأ الدفاع الجماعي في هذه الاتفاقية ـ أي اعتبار أي هجوم على أحد الأعضاء هجومًا على المجموعة بأكملها ـ يمنحها أهمية تتجاوز كونها اتفاقًا أمنيًا اعتياديًا. كما أن الموقف الباكستاني الأخير بشأن احتمال تفعيل آلية الدفاع الجماعي في حال توسع الهجمات على الأراضي السعودية يشير إلى أن هذا الاتفاق لا يمكن اعتباره رمزيًا فحسب. كذلك أدانت تركيا هجمات الحوثيين على السعودية بأشد العبارات، وأعلنت دعمها لسيادة السعودية ووحدة أراضيها. ويستند البعض إلى هذه المواقف في تحليلاتهم عبر الفضاء الافتراضي ليخلصوا إلى أن تركيا وباكستان ستقفان في مواجهة إيران، وأن حربًا جديدة ستندلع في جبهة بفاعلين جدد. لكن هذا استنتاج تحليلي خاطئ يجب التعامل معه بجدية، إذ لا يمكن حتى الآن وصف «اتفاقية مكة» بأنها «تحالف عسكري معادٍ لإيران».
فباكستان وتركيا لديهما أسباب مهمة لتجنب المواجهة المباشرة مع طهران؛ إذ إن العلاقات الاقتصادية، والحدود المشتركة، والقضايا الأمنية، ومجموعة من المصالح الجيوسياسية، تجعل دخول هذين البلدين المباشر في حرب ضد إيران أمرًا باهظ الكلفة للغاية. يضاف إلى ذلك أن أعضاء الاتفاقية أنفسهم وصفوا طبيعتها بأنها دفاعية. لذا، فإن الخطر الفوري على إيران ليس بالضرورة اندلاع حرب مع باكستان وتركيا، بل الخطر الأهم هو بداية «تباعد استراتيجي» سيكون شديد الضرر على إيران. فقد لا تدخل أنقرة وإسلامآباد أبدًا في حرب مباشرة مع طهران، لكن تزايد التنسيق الاستخباراتي والدفاع الجوي والتعاون العسكري وتحديد خطوط حمراء مشتركة مع الرياض، يمكن أن يغيّر تدريجيًا البيئة الأمنية المحيطة بإيران. في هذه الحالة، ستواجه طهران ظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد عدو عسكري: تشكّل تدريجي لبنية أمنية إقليمية لا تحتل فيها إيران المركز. وفي ظل هذا المناخ، يُطرح سؤال طبيعي: هل كل هذه التطورات أجزاء مكمّلة لمشروع أمريكي-إسرائيلي أكبر لعزل إيران؟ الإجابة تستدعي الحذر؛ إذ لا تتوفر أدلة كافية للادعاء بأن كل هذه الأحداث نشأت وفق مخطط واحد مسبق التصميم من واشنطن وتل أبيب. فالسياسة الإقليمية أكثر تعقيدًا من أن نعتبر سلوك السعودية وتركيا وباكستان واليمن وسائر الفاعلين مجرد نتاج إرادة قوتين خارجيتين فقط. لكن ثمة نقطة مهمة أخرى: ليس بالضرورة أن تكون كل قطع الأحجية من صنع مصمم واحد لتشكّل في النهاية صورة واحدة متكاملة. لذا، حتى لو كان لكل من اتفاقية مكة، وردة فعل باكستان، وموقف تركيا، وتطورات اليمن منطقه المستقل الخاص به، فإن النتيجة الموضوعية لتقاربها قد تتماشى مع أحد الأهداف القديمة لأمريكا وإسرائيل: زيادة القيود المحيطة بإيران وتقليص حرية حركتها الإقليمية. بعبارة أخرى، قد لا نكون أمام «مؤامرة واحدة»، لكننا بالتأكيد أمام تقارب مصالح متباينة ضد تهديد مشترك مُتصوَّر.
وفي جبهة أخرى، وسط ضجيج مضيق هرمز وناقلات النفط والسعودية واليمن، لا ينبغي نسيان الجبهة اللبنانية. فما تكشفه جوهر الأمور هو أن استمرار وتصاعد الهجمات الإسرائيلية على لبنان يُظهر أن حزب الله لا يزال تحت ضغط جدي. لكن تركيز الرأي العام ووسائل الإعلام العالمية على الحرب الإيرانية - الأمريكية وأزمة هرمز، خلق خطر تهميش تطورات لبنان عن جدول الأعمال الدولي. ومن منظور طهران، يخلق هذا الوضع تناقضًا آخر. فقد أثارت إيران، في المفاوضات والشروط المتعلقة بإنهاء النزاع، مسألة لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية منه، ولا تعتبر نفسها غير مبالية بمصير هذه الجبهة. لكن كلما ازداد عدد جبهات الأزمة، انقسمت القدرة الدبلوماسية الإيرانية بالضرورة بينها. لذا فإن تعدد الجبهات لا يعني دائمًا زيادة القوة التفاوضية؛ بل أحيانًا يحدث العكس تمامًا، إذ يؤدي التوسع المفرط في ساحة المواجهة إلى تمييع التركيز الاستراتيجي.
في هذه المرحلة، قد يكون أهم ما تحتاجه طهران هو منع تشكّل تحول خطير، وعدم السماح بتحول الحرب الثنائية إلى حرب بين إيران والمنطقة بأسرها. يجب على إيران أن تخلق تمييزًا واضحًا بين مواجهتها لواشنطن وعلاقاتها بالسعودية وباكستان وتركيا. فأي إجراء يقنع هذه الدول بأن الأزمة القائمة جزء من تهديد أمني واحد يستهدفها، سيؤدي عمليًا إلى زيادة عدد الفاعلين في مواجهة طهران. في المقابل، يمكن للدبلوماسية النشطة مع الرياض وأنقرة وإسلامآباد أن تمنع تحول «اتفاقية مكة» من آلية دفاعية إلى بنية لاحتواء إيران إقليميًا. كما تحتاج طهران إلى إعادة النظر في العلاقة بين «توسيع جغرافيا الردع» و»الضبط السياسي للردع». فالردع يكون فعالًا حين يرفع كلفة أي عمل يقوم به العدو؛ لكن إذا أدى في الوقت نفسه إلى زيادة عدد الأعداء أو تقارب الفاعلين المحايدين مع منافسي إيران، وجب إعادة النظر في مدى فعاليته.
وخلاصة القول إن الحروب لا تُحسم دائمًا بالقدرات العسكرية وحدها؛ فأحيانًا تكون أهم نتائج الحرب هي التحالفات التي تولد على هامش ساحة المعركة. وإيران اليوم تواجه لحظة من هذا النوع بالضبط. فما يتضح هو أن التهديد الرئيسي لا يقتصر على الضغط الأمريكي أو الهجمات الإسرائيلية؛ بل الخطر الأكثر استراتيجية هو أن توسع الأزمة قد يضع تدريجيًا دولًا لم تكن حتى اليوم راغبة في مواجهة إيران، ضمن إطار أمني مشترك. فإذا توصلت السعودية وباكستان وتركيا إلى قناعة بأن أمنها بات مهددًا من شبكة واحدة من التهديدات الإقليمية، فإن الخريطة الجيوسياسية المحيطة بإيران قد تتغير بشكل جذري.
وهنا تتجلى «مفارقة الردع»: فالشبكة التي تشكلت على مدى عقود لزيادة العمق الاستراتيجي لإيران وإبعاد التهديد عن حدودها، قد تتحول، في غياب الإدارة السياسية الحكيمة، إلى محفّز غير مقصود لتقارب منافسي طهران. ويجب أن تكون التجربة السورية عبرة في هذا الشأن. ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للسياسة الخارجية الإيرانية في الأسابيع والأشهر المقبلة لا يقتصر على الصمود في وجه الضغط الأمريكي؛ بل يتمثل في منع تحول هذا الضغط إلى إجماع إقليمي ضد طهران. فإيران اليوم تقف أمام بنية أمنية جديدة، وعليها أن تحول دون تشكّلها بنفسها.