
كان وما زال للشاي في البيوت العراقية حكاية لا تشبه سواها. لم يكن مجرد شراب يقدم للضيف أو يؤخذ في الصباح والمساء بل كان طقساً اجتماعياً صغيراً تختصر فيه المحبة والكرم وحسن الضيافة.
في البيوت القديمة كانت صينية الشاي حاضرة في معظم المناسبات. وما إن يدخل الضيف حتى تبدأ الاستعدادات في المطبخ. يُغلى الماء وتُهيأ استكانات الشاي ويُوضع السكر في وعاء صغير أو يقدم إلى جانب الاستكانات لمن يرغب في زيادة حلاوة شايه.
وكان إعداد الشاي في بعض البيوت مسؤولية معروفة. فهناك من يتولى غلي الماء وهناك من يعرف مقدار الشاي المناسب، وهناك من يحرص على أن تكون الاستكانات نظيفة، وأن يكون لون الشاي مضبوطاً. وكانت رائحة الشاي تمتزج أحياناً برائحة الهيل فتملأ أرجاء البيت بدفء خاص.
أما صب الشاي فكان له أدبه أيضاً. يحمل صاحب الصينية استكاناته بحذر ويدور بها بين الجالسين مبتدئاً بالأكبر سناً أو بالضيف. وكان الضيف العراقي يعرف أن رفض الاستكانة الأولى قد يحرج صاحب البيت لذلك كان يأخذها بابتسامة وكلمة طيبة.
ولم تكن جلسة الشاي مقتصرة على أفراد الأسرة. فقد كان الجار يدخل من دون مواعيد معقدة ويجد مكانه محفوظاً في المجلس. وربما كان استكان الشاي هو المقدمة التي تفتح أبواب الحديث عن أحوال الناس والعمل والسوق والأخبار والمناسبات.
وفي المقاهي الشعبية كان للشاي حكاية أخرى. فاستكان الشاي الموضوع أمام الرجل على منضدة صغيرة كان جزءاً من المشهد اليومي للمدينة العراقية. يتحدث الرجال ويتبادلون الأخبار ويتابعون ما يجري في الحي بينما يبقى الاستكان ساخناً إلى جوارهم.