رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
“الجريمة والعقاب” حين تكبر الجريمة ويصغر العقاب


المشاهدات 1086
تاريخ الإضافة 2026/09/19 - 9:55 PM
آخر تحديث 2026/09/20 - 11:38 AM

حين نقرأ «الجريمة والعقاب» لفيودور دوستويفسكي من زاوية عراقية معاصرة والذي نشره قبل اكثر من 100 عام ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من هو راسكولنيكوف في حياتنا اليوم؟ بل سؤال أوسع: ماذا يحدث عندما يقتنع بعض أصحاب السلطة بأنهم استثناء من القاعدة؟
راسكولنيكوف بطل الرواية ارتكب جريمته بعدما أقنع نفسه بأن لديه مبررًا يسمح له بتجاوز القانون. لم يكن يرى نفسه مجرمًا تقليديًا، بل أراد اختبار فكرة أن الإنسان الاستثنائي يستطيع أن يتجاوز القواعد التي يخضع لها الآخرون.
وهذه الفكرة هي التي تجعل الرواية قابلة للانتقال من روسيا القرن التاسع عشر إلى أي مجتمع يواجه الفساد كمجتمعنا العراقي ورؤوسه
فالفساد الكبير لا يبدأ دائمًا من سرقة المال، وإنما من تغيير النظرة إلى الحق العام. حين يتحول المال العام في ذهن صاحب النفوذ من أمانة تخص ملايين الناس إلى غنيمة، وحين يشعر المسؤول أن موقعه يمنحه امتيازات لا يملكها المواطن العادي، تكون الفكرة الأخطر قد بدأت: «أنا استثناء». ومن هنا يمكن فهم اهتمام العراقيين بمكافحة الفساد. فالمواطن لا يريد فقط إيقاف سرقة المال العام، بل يريد أن يرى العدالة تصل إلى مصادر الفساد الكبرى وشبكاته المؤثرة.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل استدعاء دوستويفسكي مفيدًا.
إذا كان راسكولنيكوف قد ارتكب جريمة بحق امرأة واحدة وهي مرابية تتعتاش على حاجة الناس ،ثم عاش الخوف والاضطراب حتى اعترف بجريمته، فكيف يشعر مجتمع يرى أموالًا عامة مهدورة أو مسروقة، ثم لا يرى دائمًا، في نظره، عقابًا يتناسب مع حجم ما يعتقد أنه حدث؟
المواطن لا ينظر فقط إلى عدد القضايا التي فُتحت أو المتهمين الذين حوكموا، بل يسأل: هل وصلت المحاسبة إلى الحلقة الأقوى؟
وهنا تأتي صورة «السمك الصغير والحيتان». قد يكون القبض على الفاسدين الصغار خطوة مهمة، لكنه لا يقنع الناس إذا ظل شعورهم قائمًا بأن الحيتان وأسماك القرش لا تصل إليها شباك العدالة.
وهذا لا يعني أن كل متهم صغير غير مهم، أو أن كل شخصية كبيرة متهمة بالضرورة؛ فالمسؤولية القانونية تحتاج إلى أدلة وتحقيق ومحاكمة عادلة. لكن هناك فرقًا بين أن تثبت الدولة أنها تحارب بعض مظاهر الفساد، وبين أن يشعر المجتمع بأن منظومات الفساد الكبرى تخضع هي الأخرى للمحاسبة.
وهنا يعود دوستويفسكي فالعقاب في روايته ليس مجرد حكم قضائي ، إنه مواجهة الإنسان بالحقيقة التي حاول الهروب منها. أما في الحياة العامة، فلا يمكن أن نترك الأمر للضمير وحده. الدولة تملك أداة أخرى أكثر أهمية: القانون.
لكن القانون يفقد جزءً من قوته حين يشعر الناس أنه يصل بسهولة إلى الضعيف، بينما يحتاج إلى طريق أطول للوصول إلى القوي.
لذلك فإن مكافحة الفساد ليست معركة أرقام فقط، وإنما معركة ثقة.
المواطن يريد أن يعرف أن المال العام ليس مالًا بلا صاحب، وأن المنصب العام ليس حصانة، وأن النفوذ لا يستطيع أن يصنع منطقة خارج القانون.
ولهذا لا يكفي أحيانًا الإعلان عن القبض على متهمين أو استرداد مبالغ. المجتمع يريد أن يرى السلسلة كاملة: تحقيقًا جادًا، وكشفًا للمسؤوليات، ومحاكمة عادلة، واستردادًا للأموال، وضمانات تمنع تكرار الجريمة.
إن القبض على «سمكة صغيرة» قد يثبت أن الشبكة تعمل، لكنه لا يثبت بالضرورة أنها وصلت إلى أعمق نقطة في البحر.
والعدالة التي يريدها المواطن ليست انتقامًا من المسؤولين، وإنما عدالة تقول إن حجم الموقع لا يغير حجم المسؤولية، وإن القرب من السلطة لا ينبغي أن يبعد الإنسان عن القانون.
وهنا يصبح الفرق بين راسكولنيكوف والفاسد المعاصر شديد الدلالة. راسكولنيكوف منح نفسه حقًا استثنائيًا، ثم اكتشف أنه لا يستطيع الهروب من ضميره. أما الدولة الحديثة فلا ينبغي أن تنتظر من صاحب السلطة أن يكتشف خطأه بنفسه ،فالمؤسسات هي التي يجب أن تمنع الاستثناء قبل أن يتحول إلى فساد.
لذلك فإن السؤال الحقيقي في مكافحة الفساد ليس فقط: كم شخصًا أُلقي القبض عليه؟
بل: هل أصبح الفساد أكثر صعوبة؟ هل أصبحت سرقة المال العام أكثر كلفة؟ هل أصبحت السلطة أكثر خضوعًا للرقابة؟ وهل تصل التحقيقات، حين تتوافر الأدلة، إلى كل مستوى من مستويات المسؤولية، بصرف النظر عن الاسم والموقع والنفوذ؟عندها تصبح «الجريمة والعقاب» أكثر من رواية عن قاتل ندم على جريمته ،إنها مرآة لفكرة أوسع: حين يشعر الإنسان أن القانون لا يطاله، يبدأ في صناعة قانونه الخاص.
وربما كانت أخطر جملة يمكن أن يقولها صاحب سلطة في داخله هي:
«أنا لست مثل الآخرين.»
من هنا تبدأ المشكلة.
فالجريمة قد تكون سرقة مال، لكن الجريمة الأكبر هي أن يفقد الناس إيمانهم بأن القانون يستطيع الوصول إلى السارق، صغيرًا كان أم كبيرًا.
وهنا يكمن درس دوستويفسكي الذي لا يزال صالحًا اليوم: لا يكفي أن نطارد الجريمة بعد وقوعها ، علينا أن نهدم الفكرة التي تجعل صاحب السلطة يعتقد أنه أكبر من القانون.


تابعنا على
تصميم وتطوير