
كانت آخر مرة التقيته صيف عام 1991 عند بسطية كتب نعيم الشطري في المتنبي، وكان وقتها حائراً في تدبير الحصول على مستمسك شخصي يتيح له الحصول على جواز سفر، لعله يتمكن من مغادرة العراق في تلك السنين الصعبة. وبعد 36 عاماً، ها أنا ألتقيه ثانية في ليلة بغدادية مدهشة على دعوة عشاء واستعادة الذكريات مع الصديق رباح آل جعفر، وكان محمد الطريحي الصديق القديم يتحدث بحماسة عن « مشروع عمره»، كما أسماه: الجينوم الشعري، أو الجينوم اللغوي في مداه الأوسع، الذي ظل يشتغل عليه ويطوره سنوات طويلة.
بين اللقاءين رحلة حياة كاملة، فقد غادر الطريحي بغداد في ذلك العام، لتبدأ رحلة طويلة تنقل فيها بين جامعات وصحف ومدن وبلدان، وكانت الجامعة الأردنية إحدى محطاته الأولى، ثم ليبيا، فالعودة إلى الأردن والعمل في صحيفة «العرب اليوم»، والعودة ثانية إلى ليبيا والعمل في مصراتة. وبعد خمس سنوات حملته الرحلة إلى ألمانيا، ومنها إلى لندن، ثم إلى واشنطن والعمل مذيعاً ومقدم برامج في قناة «الحرة»، فإدارة المركز الثقافي هناك، ثم التدريس في جامعة نزوى بسلطنة عُمان، قبل أن يعود إلى العراق مستشاراً في شبكة الإعلام العراقي ومدرباً للمذيعين. لكن هذه الرحلة، على اتساع جغرافيتها وتنوع تجاربها، لم تُبعد أستاذ اللغة العربية والمذيع والصحفي عن شغفه الأول، الكلمة، وكيف تولد، وكيف تتشكل دلالاتها، وما الذي يحدث داخل النص حين تتجاور الكلمات والصور والإيقاعات والمعاني. ومن هنا جاء مشروع «الجينوم اللغوي»، وهي تسمية تستعير من علم الأحياء فكرة الجينوم لتقترح البحث عن مورثات داخل اللغة والنص، فهو يرى أن اللغة يمكن تفكيكها إلى مكوناتها الأساسية المنظمة، بما يساعد على فهم تكون المعنى وتطور اللغة وإعادة تركيبها. أما في الشعر، فإن الفكرة تصبح أكثر إثارة، لأن القصيدة كائن حي تتفاعل داخله المفردة والصورة والإيقاع والدلالة والسياق. واللافت أن الطريحي لا يقدم مشروعه بوصفه تأملاً نظرياً فحسب، بل يقول إنه جُرب في عدد من الجامعات، وكان آخرها جامعة نزوى في سلطنة عُمان.
تحدث الطريحي في تلك الليلة عن مشروعه بحماسة، وكنت أستعيد صورة ذلك الشاب الواقف عند بسطية الشطري، يبحث عن جواز سفر يفتح له باباً إلى العالم. أما اليوم، وبعد رحلة طويلة، فإنه يبحث عن جواز سفر من نوع آخر يعبر به إلى داخل اللغة نفسها، محاولاً قراءة الشفرة التي تختبئ في جيناتها. وبعد العشاء تحدث الصديق آل جعفر عما أسماه «روح بغداد» التي تتجلى في شوارعها وأزقتها القديمة، فأخذنا من وحي حديثه، شارع الرشيد من المبنى القديم لشركة چقماقچي للأسطوانات حتى ساحة الرصافي، وكان مؤلماً أن نرى أغلب مناطقه غارقة في العتمة، غير أن الأنوار والحياة التي أعادها تأهيل المتنبي والحيدرخانة تبعثان الأمل في أن تمتد اليد نفسها إلى شارع الرشيد كله، ليعود قلب بغداد القديم نابضاً بالضوء والحياة حتى ساعة متأخرة من الليل.