رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الدكتور محمد كاظم البكّاء .....سيرة عالم أكاديمي في اللغة العربية والدرس النحوي


المشاهدات 1035
تاريخ الإضافة 2026/09/20 - 10:28 PM
آخر تحديث 2026/09/21 - 12:38 AM

حين نستعيد سيرة عالم أكاديمي عراقي بحجم الأستاذ المتمرس الدكتور محمد كاظم البكّاء فإننا لا نستعيد سيرة رجل واحد فحسب بل نقرأ فصلا من تاريخ التعليم واللغة العربية والدرس النحوي في العراق. فقد امتدت رحلته بين المدرسة والجامعة والإدارة والتأليف والتحقيق وصولا إلى محاولة الإفادة من الحاسوب في خدمة علوم العربية والفقه والعروض.
وفي هذه الشهادة يتوقف الدكتور البكّاء عند محطات مضيئة من حياته فيتحدث عن بداياته معلما وعن رحلته مع سيبويه وعن أساتذته الذين تركوا أثرهم في تكوينه العلمي وعن تجربته في الإدارة والتعليم العالي ثم يكشف عن رؤيته الخاصة في قراءة كتاب سيبويه ونظريته في الحس الصوتي فضلا عن اشتغاله على القرآن الكريم ومحاولاته في ربط اللغة بالمنهج والحاسوب.
ـ كيف بدأت رحلتكم مع التعليم وما الذي بقي في ذاكرتكم من السنوات الأولى؟
* بدأت رحلتي بعد إكمال دراستي في دار المعلمين الابتدائية عام 1959 حين صدر أمر تعييني معلما في مرحلة كانت فيها البلاد تعيش أجواء الترقب والحذر. وكان ذلك في يوم الاعتداء على الزعيم عبد الكريم قاسم. ثم جاء ظهوره عبر الإذاعة العراقية وإعلانه عبارته المعروفة عفا الله عما سلف.
كان تعييني على ملاك وزارة الداخلية في مدينة الناصرية مع عدد من المعلمين من مواطني النجف الأشرف. وفي السنة الثانية نقلنا جميعا إلى النجف الأشرف لأدرس في مدرسة غازي الابتدائية وهي المدرسة نفسها التي درست فيها المرحلة الابتدائية.
وكان من أجمل ما بقي في الذاكرة أن أرى بعد سنوات بعض تلامذتي وقد أصبحوا رجالا في مواقع مختلفة. ومنهم المدرس الماهر حامد الصراف ونائب المحافظ في كربلاء والدكتور عوفي يوسف مجيد والحبوبي وغيرهم.
وقد لازمت تدريس اللغة العربية في الصف السادس وكنت موفقا في هذا المجال فحصدت بعض الجوائز والكؤوس وكان من بينها ما تسلمته من قائممقام النجف الأستاذ جابر حداد المعروف بشخصيته المحترمة.
ثم انتقلت إلى متوسطة النجف لتدريس اللغة العربية وكان مديرها الأستاذ عاصم أبو ناصرية واستمرت الرحلة حتى أكملت دراستي في كلية الفقه.
ـ ماذا أضافت كلية الفقه إلى تكوينكم العلمي؟ 
* عندما أكملت دراستي الجامعية في كلية الفقه كنت الأول على الدورة فتم تعييني معيدا في الكلية. وكانت هذه المرحلة من أكثر مراحل حياتي غنى من الناحية الثقافية لأنني كنت أدرس المواد التي لا يجدون لها مدرسا من النحو والبلاغة والفقه والمنطق وغيرها.
وهذا التنوع فتح أمامي أبوابا واسعة فلم تعد اللغة عندي علما منفصلا عن بقية العلوم بل أصبحت أراها متصلة بالمنطق والفقه والتفسير وبطريقة التفكير نفسها.
ـ وماذا عن رحلتكم إلى القاهرة ودراسة الماجستير؟
* عندما قررت إكمال دراستي العليا كانت القاهرة محطتي الأولى فالتحقت بكلية دار العلوم التابعة لجامعة القاهرة. وقد وجدت في أجوائها الروحانية والدينية ما يشبه إلى حد كبير أجواء كلية الفقه مع اهتمامها الكبير بعلوم اللغة العربية.
وكان معظم أساتذتها من جامعة الأزهر ومن بينهم العلامة علي النجدي ناصف عضو مجمع اللغة العربية ومؤلف كتاب  سيبويه إمام النحاة .
وكانت محاضراته تتداخلها آراء سيبويه بصورة جعلتني أعيش مع هذا العالم الكبير بصورة يومية. وكأن سيبويه كان يطالعني وأطالعه كل يوم. ومن هنا بدأت علاقتي العميقة بكتاب سيبويه وأصبحت مغرما به ومعنيا بتفاصيله.
لكننا فوجئنا نحن الطلبة العراقيين بالإبعاد بسبب الظروف السياسية في زمن أنور السادات ومشروع التطبيع. وكانت تلك تجربة مؤلمة لكنها لم تستطع أن تقطع الصلة التي بدأت بيني وبين سيبويه.
ـ كيف استكملت مشروعك العلمي بعد العودة إلى  العراق؟
* دخلت كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1979 في قسم اللغة العربية وأكملت دراسة الماجستير وكانت رسالتي بعنوان  منهج البحث النحوي عند عبد القاهر الجرجاني  عام 1980.
ثم تابعت دراسة الدكتوراه وهنا وجدت أستاذة النحو المغفور لها الدكتورة خديجة الحديثي التي كانت بحق أم الدكاترة والتي حملت لواء سيبويه بحثا وتدريسا  وتأليفا.
وجدت عندها فرصتي الذهبية لمواصلة القراءة والتدبر في عبارات سيبويه. وقد شجعتني على أن يكون عنوان رسالتي للدكتوراه «منهج التقويم النحوي في كتاب سيبويه» فأكملتها عام 1985.
وكانت تلك المرحلة نقطة تحول أساسية في حياتي العلمية لأن سيبويه لم يعد عندي مجرد موضوع أكاديمي بل أصبح مشروعا فكريا رافقني سنوات طويلة.
ـ كيف انتقلت من البحث العلمي إلى العمل التربوي والإداري؟
* بعد إكمال متطلبات الماجستير والدكتوراه انتقلت خدماتي من وزارة الداخلية إلى وزارة التربية مدرسا للغة العربية. ثم صدر أمر تعييني معاون مدير عام تربية النجف بعد نقل المديرية العامة للتربية من كربلاء إلى النجف الأشرف.
وبعد ذلك صدر الأمر بتعييني مديرا عاما لتربية النجف.
وكانت هذه المرحلة مهمة بالنسبة لي لأنني حاولت أن أجعل الإدارة وسيلة لخدمة التعليم لا مجرد عنوان وظيفي. ومن الأعمال التي أعتز بها تأسيس دار المعلمين في النجف الأشرف التي تحولت فيما بعد إلى معهد المعلمين.
ـ وماذا عن انتقالكم إلى التعليم العالي؟
* بعد ذلك صدر الأمر بتعييني مدرسا على ملاك وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وكنت في أثناء ذلك عضوا في مجلس وزارة التعليم العالي ضمن لجنة المناهج.
وفي مرحلة التعليم العالي تنقلت في مواقع علمية وإدارية متعددة وكانت كلية الفقه بالنسبة لي أكثر من مؤسسة تعليمية لأنها تمثل امتدادا لتجربة علمية وثقافية عشتها منذ بداياتي.
وقد بذلت مع الدكتور محمود المظفر رحمه الله تعالى جهدا لإعادة كلية الفقه الجامعة التي كان قد ألغاها النظام السابق. 
ـ لماذا أصبح كتاب سيبويه محور مشروعكم العلمي؟
* الحمد لله أنني خلال بحث الدكتوراه وقفت على مشكلة أساسية تتمثل في صعوبة كتاب سيبويه بالنسبة إلى كثير من دارسي النحو.
وقد عبّر المبرد عن عظمة الكتاب وصعوبته بقوله لمن أراد قراءة كتاب سيبويه تعظيما له  هل ركبت البحر؟ 
وكان الجرمي من علماء القرن الثالث مترددا في تسمية كتابه في النحو حتى سماه  الفرخ وهناك حكاية طريفة عن تلميذ صبر على دراسة كتاب سيبويه عند أحد الشيوخ سنة كاملة ثم قال لشيخه إنك جزاك الله خيرا أما أنا فلم أفهم منه شيئا.
وقد وجدت أن هذه الشكوى لم تكن مقتصرة على القدماء بل وجدت صداها لدى بعض المستشرقين أيضا. ومنهم المستشرق البريطاني جيمس كارتر الذي استطاع أن يكتب في سيبويه  الأسس المنهجية في كتاب سيبويه،  وكتب بحوثا أخرى منها  عشرون درهما في كتاب سيبويه.  
ـ وأين وجدتم سر هذه  الصعوبة؟
* حاولت أن أكتشف سر صعوبة كتاب سيبويه فوجدتها في طريقة تأليفه وهي طريقة المؤلفين في عصره. فلم تكن هناك الصورة التي نعرفها اليوم من متن وحاشية وهامش.
وقد حاولت معالجة   المشكلة من خلال تحديد الباب وتمييزه عما يتصل به من تفسير وتعقيب  واستطراد.
كما وجدت أن عناوين كتاب سيبويه قد تمتد أحيانا إلى أكثر من سطرين أو ثلاثة وتنتهي بعبارته التقليدية  وذلك مثل .
أما أنا فسلكت في العناوين مسلك المتأخرين فجعلتها موجزة مثل  باب الفاعل وباب المفعول وغيرها.
ـ هل اكتشفتم اختلافا في منهج سيبويه عن المناهج النحوية اللاحقة؟
* نعم. وهذا من الأمور المهمة التي وقفت عليها. فقد جعل سيبويه منهجه قائما على الجملة الفعلية والجملة الاسمية وغيرها بينما روعي في منهج النحويين المتأخرين تقسيم الأبواب على أساس المرفوعات والمنصوبات والمجرورات  وغيرها.
ومن هنا جاء عملي في تحقيق كتاب سيبويه وتصنيفه تصنيفا منهجيا مع الشرح والتحقيق العلمي.
ـ وصلتم بعد هذا التعمق إلى ما سميتموه نظرية الحس الصوتي فماذا تعني؟
* بعد أن تمرست في كتاب سيبويه وجدت النظرية الرئيسة التي اعتمد عليها في علم النحو وهي نظرية الحس الصوتي التي تؤسس النحو على الثقل والخفة في قواعد صوتية.
ومن أمثلة ذلك أن الثقل يؤدي إلى النصب. تقول  المؤمنون إخوة  فإذا أدخلت  إن  الثقيلة قلت  إن المؤمنين إخوة. إن نظرية الحس الصوتي تمثل بالنسبة لي مدخلا مهما لدراسة سيبويه وقد تولى طبعها معهد مخطوطات جامعة الدول العربية.
وأتمنى أن تعتمد وزارة التربية وخصوصا دائرة المناهج كتاب نظرية الحس الصوتي كتابا مساعدا يستفيد منه معلمو ومدرسو اللغة العربية.
ـ وكيف انتقلت من اللغة والفقه إلى الحاسوب والعروض؟
* درست علم المنطق ودرسته في كلية الفقه ثم دخلت دورة في لغة فورتران في مركز الحاسبات الإلكترونية ببغداد. وهناك اتضح لي أن الحاسوب يقوم بصورة أساسية على علمين هما المنطق والحساب.
ثم انتقلت إلى الشعر وحاولت أن أنظم بحوره في قواعد حاسوبية فكان برنامج العروض في معرفة بحور الشعر العربي.
وقد كرمتني جامعة الكوفة بإيفادي إلى جامعة مانشستر للمشاركة في المؤتمر الخاص بالحاسوب الثنائي اللغة عام 1989.
ـ وماذا أضافت تجربتكم اللغوية إلى علاقتكم بالقرآن الكريم؟
* أقبلت على القرآن الكريم في ضوء دراستي اللغوية فألفت كتاب القرآن الكريم تصنيف موضوعي على وفق نظرية النص.
وانتهيت فيه إلى أن القرآن الكريم بني على النص بمعنى مجموع الآيات التي تعنى بموضوع معين.
ومن أمثلة ذلك السور القصار مثل سورة الفاتحة وسورة الإخلاص وغيرها. أما السور ومن خلال هذا التصنيف اكتشفت ما أسميته الإعجاز المنهجي وهو جانب أراه جديرا بالتأمل في فهم البناء القرآني.
ـ وهل قادتكم اللغة إلى قراءات مختلفة لبعض الآيات؟
* إن تمكن الباحث من اللغة يفتح أمامه أبوابا واسعة في فهم النص. وقد حاولت في بعض المواضع أن أقدم قراءة لغوية تختلف عما هو مشهور في بعض كتب التفسير.
ففي قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما تناولت معنى القطع من زاوية دلالية تقوم على قطع الطريق أمام العودة إلى السرقة من خلال تأمين حاجة السارق.
ـ وما الظواهر التي وجدتموها في دراستكم للنص القرآني؟
* وقفت على عدد من الظواهر التي تساعد في فهم النصوص القرآنية ومنها ظاهرة البيان والتعقيب.
ومن أمثلتها قوله تعالى.. ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. 
فالجملة الأولى تأتي بيانا لما يدعيه هؤلاء ثم يأتي التعقيب وما هم بمؤمنين ليكشف حقيقة قولهم.
كما وقفت عند ظاهرة كسر النمط في قوله تعالى والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين .
فالنمط في بداية السورة يقوم على مفردات متعاطفة ثم يأتي قوله وهذا البلد الأمين  فيكسر النمط بتصدير القسم باسم الإشارة تعظيما للبلد الحرام.


تابعنا على
تصميم وتطوير