
تعلّم العراقي، عبر عقود طويلة، أن ينتظر أكثر مما يحتج، وأن يتحمل أكثر مما يطالب، وأن يحوّل كثيرًا من أزماته اليومية إلى حكايات يتداولها مع الآخرين بدل أن تتحول إلى مطالب واضحة تبحث عن حلول. صار الصبر جزءًا من الثقافة اليومية، حتى أصبح المواطن أحيانًا يتعامل مع المشكلة وكأنها قدر لا يمكن تغييره، ومع النقص وكأنه أمر طبيعي، ومع التأخير وكأنه موعد مؤجل إلى أجل غير مسمى. والمشكلة ليست في الصبر نفسه؛ فالصبر قيمة إنسانية وأخلاقية، وقد كان العراقي في أصعب الظروف قادرًا على حماية أسرته ومواصلة عمله ودراسته وحياته. لكن الصبر يتحول إلى مشكلة عندما تستخدمه المجتمعات لتبرير استمرار الخلل، وعندما يصبح المواطن مقتنعًا بأن المطالبة بحقه نوع من الإزعاج، أو أن الاعتراض لن يغير شيئًا، أو أن السكوت أكثر أمانًا من الكلام. وواقع العراق الحالي يكشف هذه المفارقة بوضوح. المواطن ينتظر الكهرباء، وينتظر الماء، وينتظر إصلاح الشوارع، وينتظر فرص العمل، وينتظر إنجاز المعاملة، وينتظر التعيين، وينتظر تحسين الخدمات. وبين انتظار وآخر، تتراكم السنوات، ويصبح الانتظار نفسه جزءًا من الحياة اليومية.
خذ أزمة الكهرباء مثالًا. العراقي لم يعد يتعامل مع انقطاع الكهرباء باعتباره حادثًا استثنائيًا، بل أصبح ينظم يومه وفق ساعات التجهيز والانقطاع، ويحسب مصروف المولدة والأمبير، ويبحث عن البدائل المنزلية. تحوّلت المشكلة من قضية خدمات عامة ينبغي حلها إلى روتين يومي يتعلم المواطن كيفية التعايش معه. وهذه أخطر مراحل الأزمات: أن ينتقل المجتمع من المطالبة بحل المشكلة إلى تعلم كيفية العيش معها.
والأمر ذاته يظهر في أزمة المياه وشحها في عدد من المناطق. بعض المواطنين يتعاملون مع ضعف التجهيز أو انقطاعه بوصفه جزءًا من طبيعة الصيف العراقي، بينما يفترض أن تكون المياه خدمة أساسية لا تتحول إلى امتياز مرتبط بمكان السكن أو القدرة على شراء البدائل. وحتى الشوارع أصبحت تقدم صورة صامتة عن علاقة المواطن بالأزمة. حفرة في شارع، رصيف متهالك، نفايات متراكمة، أو مشروع يتأخر إنجازه؛ كلها مشاهد قد يلتقطها المواطن بهاتفه وينشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تتحول إلى موجة من التعليقات، وبعد أيام تخفت القضية ويعود الشارع إلى حاله. هنا تتحول الشكوى من أداة ضغط إلى مجرد محتوى عابر. فالشاب العراقي يقدم مثالًا آخر على ثقافة الانتظار. سنوات الدراسة تنتهي، ثم تبدأ رحلة البحث عن وظيفة. يتابع إعلانات التعيينات، ودرجات الحذف والاستحداث، والاستمارات، والقرارات، ثم ينتظر النتائج. بعض الشباب يقضي سنوات في هذا المسار، فيما تتراجع فرص بناء مسار مهني بديل بسبب ضعف الثقة بالقطاع الخاص أو محدودية الفرص المتاحة. ولا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية هذا الوضع. فالمطالبة بالحق تحتاج إلى بيئة مؤسسية تحترم الشكوى، وإلى قوانين واضحة، ومؤسسات تستمع، وإعلام يراقب، ومجتمع مدني قادر على تحويل المطالب الفردية إلى قضايا عامة. المواطن الذي يشتكي ولا يجد استجابة سيتعلم مع الوقت أن الشكوى لا جدوى منها، وأن الصمت أقل كلفة.
وتظهر واحدة من أخطر نتائج تراكم الأزمات: فقدان الإحساس بقدرة الفرد على التغيير. عندما يطالب المواطن مرة ولا يحصل على جواب، ثم يطالب مرة ثانية ولا يحدث شيء، يبدأ تدريجيًا بتغيير سلوكه؛ لا لأنه اقتنع بأن المشكلة صحيحة، وإنما لأنه فقد الإيمان بإمكانية إصلاحها. فالعراق شهد أيضًا نماذج مختلفة، أثبتت أن المواطن عندما يمتلك الأدوات المناسبة يستطيع أن يحول صوته إلى قوة ضغط. كثير من القضايا الخدمية لم تصل إلى المسؤول إلا بعد أن وثقها المواطنون ونشروها وتابعها الإعلام، وبعض المشكلات المحلية عولجت بعد أن تحولت إلى قضية رأي عام. هنا يصبح الهاتف أداة للمساءلة، وليس مجرد وسيلة للشكوى.
والمطلوب ليس أن يتخلى العراقي عن صبره، وإنما أن يعيد تعريفه. الصبر على الظروف الشخصية شيء، والصمت عن الحقوق العامة شيء آخر. الإنسان قد يصبر على محنة مؤقتة، لكنه لا ينبغي أن يعتبر استمرار الخلل أمرًا طبيعيًا لا يستحق السؤال. والمطالبة بالحق لا تعني الفوضى، ولا تعني الإساءة إلى الموظف أو المسؤول، ولا تعني تحويل كل مشكلة إلى حملة تشهير. المطالبة الواعية تبدأ من معرفة الحق، وتحديد الجهة المسؤولة، واستخدام القنوات القانونية والإعلامية، وتقديم الشكوى بطريقة واضحة، ثم متابعة الموضوع بدل تركه بعد أول محاولة.
والإعلام العراقي يستطيع أن يؤدي دورًا مهمًا في هذه المسألة. فبدل أن يكتفي بتصوير المشكلة، يمكنه أن يسأل: ما أصلها؟ من المسؤول عنها؟ ماذا قالت المؤسسة؟ ما المدة المحددة للمعالجة؟ ماذا حدث بعد شهر؟ هنا يتحول الإعلام من ناقل للشكوى إلى أداة للمتابعة والمساءلة. والجامعة مطالبة بتعليم الطالب ثقافة الحقوق والمسؤولية المدنية، لا أن تكتفي بتزويده بالمعلومات الأكاديمية. الطالب الذي يتعلم التفكير النقدي، والحوار، وإدارة الاختلاف، ومعرفة حقوقه وواجباته، يصبح مواطنًا أكثر قدرة على المشاركة في صناعة مستقبله. والعراق لا يحتاج إلى مجتمع غاضب طوال الوقت، كما أنه لا يحتاج إلى مجتمع صامت طوال الوقت. يحتاج إلى مواطن يعرف متى يصبر، ومتى يتحدث، ومتى يحتج، ومتى يستخدم القانون، ومتى يحول مشكلته الخاصة إلى قضية عامة تستحق المعالجة. والصبر الذي يحفظ كرامة الإنسان فضيلة، أما الصبر الذي يحفظ الأخطاء من المساءلة فهو مشكلة. وبين الاثنين مسافة كبيرة ينبغي للمجتمع العراقي أن يتعلم كيف يميزها. واعتاد العراقي أن يقول: «إن شاء الله تنحل»، ثم ينتظر. وربما حان الوقت لأن تضاف إلى هذه العبارة جملة أخرى: «ماذا نستطيع أن نفعل حتى تُحل؟» فالمستقبل لا يصنعه المواطن الذي ينتظر الحل فقط، وإنما المواطن الذي يعرف حقه، ويطالب به، ويحترم القانون، ويرفض أن تتحول الأزمات المؤقتة إلى طريقة دائمة للحياة. والعراقي الذي تعلم الصبر طوال هذه السنوات لا يحتاج إلى أن يتعلم الغضب؛ يحتاج إلى أن يتعلم المطالبة الواعية. فالمجتمع القوي ليس ذلك الذي لا يشتكي، وإنما ذلك الذي يعرف كيف يحول شكواه إلى فعل، وفعلَه إلى تغيير، وتغييره إلى حق مستقر لا يحتاج أبناؤه إلى المطالبة به كل يوم.