رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
رحلة الإنسان مع القانون


المشاهدات 1055
تاريخ الإضافة 2026/09/21 - 9:30 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 12:54 AM

يوجد المجتمع بتواجد جماعة من الأفراد على أرض معينة تتكون بينها علاقات تتمتع بالديمومة والانتظام، فالمجتمع ووجوده يبقى ظاهرة طبيعية موضوعية تتحدد بوجود جماعة تقوم بين أفرادها علاقات ثابتة ومنظمة. وعاش الإنسان ويعيش في مجتمع، وعندها لا بد من ضمان بقاء واستمرار حياة المجتمع، ولا يتحقق ذلك إلا إذا أخذ كل فرد في المجتمع من حرية تصرفاته أو أعماله. وتحديد تصرفات أو أعمال الأفراد لا يمكن أن يتم إلا إذا وجدت (قواعد سلوك) تحكم تصرفات الأفراد في المجتمع، وتتضمن هذه القواعد منعًا من القيام بأعمال من شأنها الإضرار بأفراد المجتمع، كما تتضمن أمرًا للقيام بأعمال يفرضها التضامن بين الأفراد ومصلحة المجتمع. وهذه القواعد هي قواعد قانونية، ولما كان وجود المجتمع يفترض وجود قانون، فإنه يفترض كذلك وجود سلطة، فلا مجتمع ولا قانون بدون سلطة، أي وجود دولة. فحياة الإنسان ستكون مسارها بين الدولة والقانون، وتؤكد حياة الإنسان إرادة الحياة. 
بهذه العبارات المعبرة يكتب الأستاذ الدكتور (منذر الشاوي) توطئة كتابه المعنون بـ (الإنسان والقانون) الصادر عن الذاكرة للنشر والتوزيع عام 2015م. ويتناول علاقة الإنسان بالقانون في ستة أبواب متتابعة. فعن حياة الإنسان الخاصة، وعلاقتها بالقانون، حيث يمر الإنسان بمراحل عمرية مختلفة، يتحدث عن جوانب هذه الحياة الزوجية والأسرية ودخوله الحياة المدنية ليعمل ويتعامل من أجل أن يتملك، فالملكية والعقود والتزاماتها يمكن أن تختصر حياة الإنسان. 
وقد يمتهن الإنسان وهو يسعى وراء الملكية والتملك فتنشأ شريحة من الأفراد تمتهن التجارة لتكون عندها الحياة التجارية للإنسان. وعن حياة الإنسان العامة، حيث تلعب الدولة دورًا مهمًا فيها، يعطي المؤلف فكرة عن أصل الدولة، ولكي يكون هناك تبرير منطقي لضرورة إقامة المجتمع المدني، أو الدولة، عن طريق العقد الاجتماعي، كان لا بد من افتراض وجود حالة للأفراد تسبق الحالة المدنية أو حالة المجتمع. وهذه الحالة هي (حالة الطبيعة) التي تسبق مدرسة العقد الاجتماعي على (وجودها) أو بعبارة أدق على افتراضها. فالأفراد قبل أن يلتئموا في مجتمع وتحت سلطة عامة، عاشوا في (حالة الطبيعة) بعيدًا عن كل سلطة وعن كل رابطة اجتماعية. وأدخلت مدرسة العقد الاجتماعي في تاريخ الفكر السياسي المفهوم الفردي للدولة، ومن ثم وجب البحث في ماهية الدولة وفكرة الشعب ووظائف الدولة وإدارة الدولة من حيث الوظيفة الإدارية والقانون الإداري والقضاء الإداري. ولحياة الإنسان جوانب دولية، فالعالم مقسم إلى دول خصوصيتها البشرية وطموحاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذه الدول لا يمكن أن تنكفئ على ذاتها، فهي بحاجة بعضها إلى البعض الآخر. 
فبمجرد التعايش المادي والحوار يفرض وجود علاقات لا بد منها بين هذه الدول، والحاجات الاقتصادية والطموحات السياسية، والمنافسات والصراعات تفرض أيضًا إقامة علاقات واتصالات بين هذه الدول. وهذه العلاقات تحتاج إلى تنظيم قد يفرضه منطق تنظيم العلاقات بين الأفراد من قبل القانون الداخلي لكل دولة، دون أن يكون ذلك متشابهًا، ولكن يبقى التنظيم القانوني للعلاقات بين الأفراد محل تأمل ومنطلق لإيجاد ما يشابهه في تنظيم العلاقات بين الدول. كل ذلك يقتضي دراسة أساس القانون الدولي في مذهب القانون الطبيعي وفي مذهب القانون الاجتماعي وفي مذهب الوضعية القانونية. وقيلت نظريات عديدة لبيان حقيقة القانون الدولي، باعتباره قانون فقهاء أو قانون في خدمة دول أو قانون يفتقد إلى مشرع. وللحياة الدولية جوانب خاصة، وهذا يتطلب البحث في فكرة القانون الدولي الخاص، وظروف نشأة القانون الدولي الخاص وجدت منذ العصور القديمة ولا يبدو أنها قريبة الزوال، فمشاكل القانون الخاص آخذة بالازدياد، نظرًا لبطء التوحيد القانوني والسياسي وزيادة انتقال الأشخاص والأموال في العالم. فلم يعد الاتصال ممكنًا فحسب بل أصبح ضروريًا منذ أن أخذ التبدل شكلًا منظمًا ومنذ أن أصبح إنتاج الدول متكاملًا، فالدول العصرية لا يمكن أن تعيش منكفئة على ذاتها، ومع ذلك فإن استقلالية القانون الدولي الخاص لم تتأكد في القرن التاسع عشر في الجامعات ولا في الفقه أحيانًا، فقبل القرن العشرين لم نر فقيهًا كرس جهوده للقانون الدولي الخاص وحده. ومصادر هذا القانون إما مصادر وطنية أو مصادر دولية. وتتركز مسائل القانون الدولي الخاص في الجنسية وحالة الأجانب، وتنازع القوانين.
وفي الكتاب الرابع من هذا الكتاب نقرأ عن حرية الإنسان، حيث يبحث في فكرة الحرية، ففي المذهب الفردي يظهر الفرد بأنه كائن قائم بذاته، يتمتع باستقلال شخصي والأمر الذي يضعه في معارضة مطلقة مع المجتمع والدولة. والتأكيد على الفرد وحرياته أمام الخطر المتأتي من وجود الدولة هو التصوير التقليدي للفردية، ومع ذلك فالفردية الاجتماعية غيرت الحدود التي كانت تلتزم بها الدولة لحماية حريات الفرد في منظور الفردية المطلقة. فهذه الحدود التي لا يجوز للدولة اجتيازها، لم تعد تحمي وضع الفرد المنطوي على ذاته والمنعزل عن المجتمع، وإنما هي حدود أخرى لا تستطيع الدولة تجاوزها دون أن تعتدي على شخصية الإنسان، الفردية والاجتماعية في الوقت ذاته. وكرس المؤلف الكتاب الخامس للبحث في دستور الإنسان، ومن ثم وجب التطرق إلى فكرة الدستور، وأصول فكرة الدستور، وفكرة الدستور عند فلاسفة القرن الثامن عشر، وصفات الدستور، والتي تتركز في علوية الدستور وقانونية الدستور، ومحاولات تبرير قانونية الدستور، وعلة عدم قانونية الدستور ومحاولة (العميد ليون دوكي في علاج علة عدم قانونية الدستور). 
ومن الضروري حماية الدستور، من القرارات والتصرفات التي تمس أو تخالف نصوصه والتي تصدر عن القابضين على السلطة في مسألة طبيعة الدستور، الدولة. ويمكن اللجوء لحماية الدستور إلى إعلان عدم المساس بالدستور والذي يجد ترجمته في (الجمود الدستوري) وحماية الدستور تتطلب بشكل أساس منع القوانين من مخالفة الدستور، وبذلك فإن حماية الدستور يمكن أن تكون في (جمود الدستور) وفي (الرقابة الدستورية على مشروعات القوانين) وفي إسناد الشعب للدستور. وفيما يتعلق بالرقابة الدستورية، يتطلب الأمر البحث في أسلوب الرقابة وتحليل الرقابة ودراسة تجارب الدول الأخرى في الرقابة، وتثور مسألة طبيعة الدستور، من حيث الطبيعة السياسية للقواعد الدستورية وتحديد هذه القواعد، وتحديد بعض محتويات الوثيقة الدستورية. وتظهر محاولات التحديد في إعلانات الحقوق والقواعد الدستورية التوجيهية والمبادئ أو الإعلانات الفلسفية، والقواعد القانونية الاعتيادية، وقوانين الانتخاب والقوانين التنظيمية. وفي ضوء المدلول المعاصر للدستور، لا يمكن الفصل بين الطموحات البشرية بل الصراعات الاجتماعية، وبين التغيير والتبديل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والقبض على السلطة السياسية. يمكن أن يحقق هذه الطموحات في شتى المجالات، فالسلطة السياسية يجب أن تبنى ومن ثم تمارس بما يحقق ما يريده الإنسان من آمال ورغبات في التغيير، فلا بد إذن من تصورات وأدوات تسند السلطة في مسعاها للتغيير والبناء، فكانت الدساتير في علويتها وجمودها هي هذه (الأداة) لتحقيق هذه الطموحات الإنسانية، ويكون من شأن ذلك أن تمنح الإرادة البشرية دورًا مهيمنًا وخلاقًا، وبهذا المعنى فإن القوانين الأساسية ستكون من صنع العقل الذي ينظم الواقع الاجتماعي. وفي الاختيارات السياسية لا بد من رؤى معينة لطريقة ممارسة السلطة، وفي الاختيارات الاجتماعية والاقتصادية، لا بد من مبادئ وتوجيهات تقود وتحدد أبعاد هذه الاختيارات.
وفي الباب السادس، وهو الأخير في الكتاب، يعالج المؤلف موضوع عدالة الإنسان، فالشعور بالعدالة قديم عند الإنسان، وبقي كذلك عبر القرون، ففي كل زمان وفي كل مكان، توجد لدى الأفراد فكرة عما هو عادل، وعما هو غير عادل، وقد تتغير هذه وتتنوع، إلا أن الشعور بالعدالة يبقى دائمًا في النفس البشرية، فنجده في كل الأزمنة وفي كل الحضارات مهما اختلفت وعند كل البشر مهما تنوعت ثقافاتهم، وشرائحهم الاجتماعية. والعدالة انسجام وتوافق وهي ذات بعد اجتماعي وفردي تمليه طبيعة الإنسان الفردية والاجتماعية في الوقت ذاته، والعدالة ليست رؤية فحسب وإنما هي واقعة يجب أن تعاش. والتأملات الفقهية عن القانون وعدالته تفترض أن القانون قد وجد، فلا مجتمع بدون قانون، وعدالة الإنسان تتجه حينذاك إلى واضع القانون لترى وتنشد قانونًا يحقق العدالة عبر (عدالة الإنسان الفقيه) حيث يتأمل الإنسان الفقيه في أساس القانون، فإن أول ما يدركه أو يجلب انتباهه تاريخيًا ومنطقيًا هو القانون الذي يعلو على الحكام ويحدد بالتالي أسلوب حكمهم وشرعيته.  والتأملات الفقهية عن القانون وعدالته تفترض أن القانون قد وجد، فلا مجتمع بدون قانون، وعدالة الإنسان تتجه حينذاك إلى واضع القانون لترى وتنشد قانونًا يحقق العدالة عبر (عدالة الإنسان المشرع). والقانون بعد هذا يشرع لكي يطبق تحقيقًا للانسجام والوئام في العلاقات الإنسانية حين تختل أو تتزعزع بسبب نزاعات الأفراد، وحل أو تجاوز نزاعات أو تناقضات البشر، يتطلب وجود من يقضي بين الناس بالحسنى ومن ثم يحقق العدالة عبر أحكام القانون و (عدالة الإنسان القاضي). ومن ثم فإن الإنسان الفقيه والإنسان المشرع والإنسان القاضي يسهمون جميعًا في بناء متكامل لتحقيق (عدالة الإنسان). والكتاب الذي بين أيدينا من إصدارات الذاكرة للنشر والتوزيع، بغداد عام 2015م ويقع في 595 صفحة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير