
في كل سنة في مثل هذه الأيام، ومنذ 81 عاما، يحج الملوك والرؤساء ومن يمثلهم الى نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية ليحطوا الرحال في “البيت الزجاجي” كما وصفه الأمين العام الأسبق الراحل بطرس غالي الذي قضى فيه 5 سنوات عجاف طبقا لمذكراته. البيت الزجاجي هو مبنى الأمم المتحدة المكون من 39 طابقا الذي يضم العديد من المؤسسات العاملة ضمن هذه الهيئة الدولية التي أسسها الكبار بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945كبديل لعصبة الأمم المتحدة التي تأسست بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وذلك عام 1920. والكبار هم “الولايات المتحدة الأميركية، الإتحاد السوفياتي (روسيا) لاحقا، وبريطانيا، وفرنسا والصين (الشعبية) التي إستعادت مقعدها عام 1971 بعد خروج تايوان “. هؤلاء الكبار أفرغوا الأمم المتحدة بكل مبانيها بمن فيها مبناها الزجاجي الى مؤسساتها الأخرى عندما شكلوا مجلس الأمن وأعطوا لأنفسهم وحدهم “حق الفيتو” بينما لا يتمتع الأعضاء العشرة الباقون الذين يتغيرون كل سنتين بهذا الحق الذي لا يزال يحتكره الخمسة الكبار من دون وجه حق.
على أية حال لسنا بصدد مناقشة الحق من عدمه وسط عالم لايتقيد بأية قواعد سواء تلك التي خرقها الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف الذي وضع حذاءه على طاولة الأمم المتحدة عام 1962هازئا منها أيام كانت لها صولة وجولة، أو ما بدا إنها صرخة من قبل رئيس وزراء كندا مارك كارني الذي أعلن خلال مؤتمر دولي في جنيف قبل شهور أن النظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى ولن يعود. وبين حذاء خروشوف ولا قواعد كارني لا يزال المبنى الزجاجي يتذكر لحظات لا تنسى منها دخول الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات لأول مرة هذا المبنى حاملا غصن الزيتون وبندقية الثائر عام 1974 بينما رفضت الولايات المتحدة اليوم منح خليفته محمود عباس فيزا للمشاركة مع إنه “بطرك الرباط”، ومنحت في المقابل خصمها اللدود الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فيزا المشاركة. ومن بين تلك اللحظات التي لا تنسى الخطاب الطويل الذي ألقاه الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والذي إستغرق 4 ساعات ونصف، بينما كان خطاب الثائر الأرجنتيني جيفارا عام 1964 أقصر بكثير من خطاب كاسترو حيث لم يستمر اكثر من ساعة ونصف، لكنه تحدى أميركا أيام المد الثوري الذي كان يعانق عنان السماء قبل أن يصل كوفي عنان الى أمانة الأمم المتحدة ليبدأ موسم “القلق”. جيفارا قال لأميركا في خاتمة خطابه “الوطن أو الموت”. مات جيفارا ومات كاسترو ومات عرفات ونقل خليفتهم الثوري مادورو رئيس فنزويلا مخفورا الى الولايات المتحدة، بينما إستمرت أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة “شغالة” بدون توقف مع أن أمينها العام لا يملك سوى التعبير الدائم عن القلق مما يجري حوله وبين يديه. مع ذلك لا يملك إلا أن يستقبل هذا الجمع المؤمن وغير المؤمن سنويا، وكل واحد من الحاضرين رئيسا أو ممثل رئيس يأتي الى هذا المكان وهو يحمل “درده” معه. وفيما يبحث البعض عن حل لمشكلة ما مستعصية في العادة مع جيرانه، فإن البعض الآخر يأتي حاملا “درد” حربه الطويلة مع جيرانه وأحيانا جواره، بينما يأتي آخرون ليقضوا إجازة إختيارية يتبارون فيها في شرب أكبر عدد من .. فناجين القهوة.