
لم أكن أتصور، وأنا أتهيأ لمحاضرتي عن أخلاقيات النشر الإلكتروني التي ألقيتها الثلاثاء الماضي في قاعة الجواهري بالاتحاد العام للأدباء والكتّاب، أن الموضوع سيفتح هذا القدر من الأسئلة والنقاشات، فقد امتد الحوار بعد المحاضرة عبر مداخلات الحاضرين، ثم انتقل إلى فضاء آخر أكثر اتساعاً، حين أثارت الإشارات إليها والصور المنشورة عنها في « فيسبوك» تعليقات وآراء ونقاشات كشفت لي أن القضية لم تعد شأناً يخص الصحفيين أو الكتّاب أو العاملين في وسائل الإعلام وحدهم، وإنما باتت تمس كل إنسان يحمل هاتفاً ذكياً ويمتلك حساباً في إحدى منصات التواصل. ذلك أن معنى الناشر نفسه قد تغير، ففي زمن الصحافة الورقية كان ثمة كاتب ومحرر ورئيس تحرير ومؤسسة تتحمل مسؤولية ما يصل إلى القارئ. أما اليوم، فقد أصبح كل واحد منا مؤسسة نشر صغيرة يحملها في جيبه، يكتب ويصور ويعلق ويعيد الإرسال، وقد تصل كلماته أو صوره خلال دقائق إلى آلاف الأشخاص، وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الأخلاقية، فالسؤال لم يعد: هل أستطيع أن أنشر؟ فالإجابة معروفة، نعم، وبسهولة مذهلة، وإنما أصبح السؤال الأهم هو: هل ينبغي أن أنشر؟.. وبين السؤالين مسافة صغيرة في الكلمات، لكنها شاسعة في المسؤولية، فقد يصلنا خبر مثير فنضغط زر المشاركة قبل أن نسأل عن مصدره، أو صورة مؤثرة فننشرها من دون أن نعرف زمانها ومكانها، أو مقولة جميلة منسوبة إلى فيلسوف أو أديب لم يقلها قط، والأسوأ من ذلك أن الخطأ الرقمي لا يبقى دائماً في المكان الذي بدأ منه، فهو يتكاثر بالمشاركة وإعادة النشر، حتى يصبح تصحيحه أبطأ كثيراً من انتشاره.
ثم أن الذكاء الاصطناعي أضاف إلى هذه الإشكالية بُعداً جديداً، فبعد أن كنا نسأل، هل الخبر صحيح ؟ أصبح علينا أن نسأل أيضاً: هل هذه الصورة حقيقية؟ وهل هذا الصوت لصاحبه فعلاً ؟ وهل قال هذا الشخص ما نسمعه منه، أم أننا أمام « تزييف عميق» صنعته الخوارزميات بإتقان؟.. ولعل المفارقة أن التكنولوجيا منحت الإنسان قدرة هائلة على إنتاج المعلومات ونشرها، لكنها لم تمنحه بالضرورة قدراً مماثلاً من الحكمة في استخدامها، فالآلة تستطيع أن تنتج نصاً وصورة وصوتاً في ثوانٍ، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عما نفعله بها، لأن المسؤولية تبقى مسؤوليتنا نحن، ولهذا وجدت في النقاشات التي أعقبت المحاضرة، وفي ما قرأته لاحقاً من تعليقات، ما يؤكد أن أخلاقيات النشر الإلكتروني لم تعد موضوعاً أكاديمياً هامشياً، ولا موضوعاً صحفياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من أخلاق حياتنا اليومية، في البيت والجامعة والصحافة ومواقع التواصل.
لقد أصبح العالم أكثر قدرة على الكلام من أي وقت مضى، لكن كثرة الأصوات لا تعني بالضرورة كثرة الحقائق، وربما كان التحدي الأخلاقي الأكبر في عصرنا ألا نتعلم فقط كيف ننشر، بل أن نتعلم أيضاً متى ننشر، وماذا ننشر، ومتى تكون فضيلة الامتناع عن النشر أهم من إغراء الضغط على زر المشاركة أو النشر.