
لطالما كانت النخلة العراقية شريكة الهوية والوجود تبسط ظلالها على ضفاف دجلة والفرات لتروي قصصاً من الصمود والخير إلا أنها اليوم تفتح فصلاً جديداً من فصول الدهشة والإعجاب.. مشهد أسرّني، ووثّقته عدستي، نخلة شامخة يظهر فيها تداخل عجيب بين عذوق التمر الصفراء الممتلئة بنور الشمس وبين “بنتايات” نبتت في أعلى القمة وعانقت السعف متحديةً بذلك قوانيين الطبيعة الزراعية المتعارف عليها منذ آلاف السنين.. حين التقطتُ هذه الصورة لم أكن أقف أمام مجرد حالة نباتية عابرة انما كنت شاهداً على حالة “تمرد فسيولوجي” صريح كسر بروتوكول الأرض، إذ قررت تلك الفسائل فجأة الهجرة نحو السماء لتزاحم عذوق التمر الأصفر في ظاهرة بيئية نادرة تعرف في الذاكرة الفلاحية باسم “الرواكيب”.
وفي العُرف الزراعي و”الفلاحة” العراقية المتوارثة من الاباء والأجداد تولد الفسيلة أو البنتاية في الأسفل تجثم على الأرض وتستمد من تربتها القوة تكون امتداداً عِرقياً للأم حتى يحين موعد قلعها وغرسها لتستقل في بستان جديد. أما أن تشرئب هذه الفسائل في الأعالي وتنمو بجوار العثوق محلقة في الفضاء، فإن التأمل في هذا المشهد المعلّق يمنحنا شجناً إنسانياً عميقاً، إذ يشبه هذا التمرد البيولوجي إلى حدٍ كبير “هجرة العقول والشباب العراقي” الذين يبتعدون مجبرين عن تراب الجذور والوطن ليُثمروا ويصنعوا نجاحات متميزة في عواصم الاغتراب البعيدة.. تماماً كما يحاول هذا “الراكوب” الطائر أن يتحدى غياب التربة ليرسم لنفسه كياناً حياً مستقلاً يقف العراقي متحدياً وعورة الظروف ليصنع التميز أينما حطت به الرحال لتكون النخلة هنا بمثابة مِرآة حية تعكس صلابة الشخصية العراقية وقدرتها الفذة على العطاء والتجدد في أقسى الظروف وأعقدها، ولا يمكنني اليوم ونحن نرقب هذه التحولات البيئية المتسارعة قراءة هذه اللقطة بمعزل عن ملف “التغير المناخي” والاحتباس الحراري الذي يضرب بظلاله القاسية على بيئة العراق ومياهه، فالارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة وتذبذب مواسم الأمطار وزيادة ملوحة التربة كلها عوامل تضع النباتات تحت ما يُعرف بـ الإجهاد البيئي الشديد هذا الإجهاد يدفع النخلة أحيانا إلى تفعيل آليات بقاء استثنائية وجريئة لحماية نوعها وضمان استمراريته مما يُحفز طفرات فسيولوجية واضطرابات هرمونية داخل أنسجتها، والمفارقة العلمية الكبرى التي تستوقف المتخصصين هنا هي أن هذه الرواكيب أو البنتايات العلوية تعيش عالةً حقيقية على جذع النخلة الأم فهي مجردة تماماً من الجذور الأرضية التي تضمن لها امتصاص الماء والأملاح مباشرة وتعتمد في بقائها وامتلاء سعفها الخصيب على العصارة الغذائية الصاعدة للأعلى عبر أوعية الخشب مما يجعل استمرارها على قيد الحياة وازدهارها شكلاً من أشكال التحدي لفيزيولوجيا النبات، وبالنسبة لأصحاب البساتين يمثل هذا الراكوب تحدياً مزدوجاً فمن جهة يشكل ثقلاً كبيراً على رأس النخلة قد يؤدي إلى انحناء الجذع أو انكساره تحت تأثير الرياح العاتية، ومن جهة أخرى يستهلك جزءاً كبيراً من الغذاء المخصص لعذوق التمر مما يؤثر نسبياً على حجم وحلاوة المحصول النهائي للأم، ومع ذلك يمتلك الفلاح العراقي ذكاءً فطرياً وخبرة متوارثة للتعامل مع هذه الحالة النادرة دون خسارة الفسيلة أو الأم حيث يُلجأ في الميدان إلى عملية ذكية تُدعى “التجذير الهوائي” تبدأ بإحاطة قاعدة الراكوب المعلّق بكيس من الخيش أو البلاستيك مليء بالتراب العضوي المبلل وتثبيته بدقة في الأعالي مع الاستمرار في سقايته وعنايته بانتظام حتى تنمو للراكوب جذور مستقلة قوية داخل الكيس ليتم بعد ذلك فصله بأداة الهيم بحذر شديد وزراعته في الأرض كفسيلة مستقلة ومقاومة للجفاف.
إن هذا المشهد الذي وثقته يعيد لأرض السواد بريقها الأصيل، ويثبت أن بستان العراق لم ينضب من الأسرار والبركات رغم كل التحديات لتظل هذه الشجرة المباركة رمزاً للتجدد وبوابة مستمرة للدهشة والخير الوفير الذي لا ينقطع.