رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
بمناسبة انطلاق العام الدراسي الجديد ...المدرسة.. مصنع رأس المال البشري


المشاهدات 1056
تاريخ الإضافة 2026/10/05 - 9:53 PM
آخر تحديث 2026/10/06 - 12:37 AM

ليست مهمة التربية والتعليم أن تحشو أذهان التلاميذ بالمعلومات، بل أن تصنع الجيل الذي سيصوغ غدَ المجتمع. ولهذا، كلما حدّثنا أنفسنا عن مستقبل وطنٍ ما، وجدنا الطريق يعيدنا لا محالة إلى مدرسته ونظامه التعليمي.

يقف التعليم اليوم أمام أسئلة ثقيلة وعلامات استفهام كبيرة: عن جودة التعليم وعدالته، وعن تمدّد المدارس الأهلية، وعن أعباءٍ تتضخم على كاهل الأسر، وعن ضعف تعليم اللغات، وعن خفوت الحماسة والأمل لدى شريحة من الطلاب، وفوق ذلك كله عن نوع التربية التي تخرج من بوابة المدرسة لتستقر في جسد المجتمع. أسئلةٌ كهذه لا تجيب عنها التعاميم الإدارية ولا جداول نسب النجاح. فمن أصدق المؤشرات على حال التعليم اليوم تلك المسافة الفاصلة بين ما تنتظره الأسرة من المدرسة لأبنائها، وما يحدث فعلاً داخل الصفوف.
تدفع الأسرة القسط المدرسي، ثم تعود لتدفع من جديد: لدروس اللغة، وللدروس الخصوصية، ولتعلّم المهارات، بل أحياناً لتعليمٍ هو في الأصل من صميم واجب المدرسة.
وهنا ينهض سؤال بسيط في ظاهره، جوهري في عمقه:
إذا كانت الأسرة ستدفع مرة أخرى لتعليم أبنائها بعد أن سدّدت أقساط المدرسة، فما الذي تتكفّل به المدرسة إذن؟
ليس في هذا السؤال خصومة مع المدارس الأهلية، ولا إنكار للفوارق بين مدرسة وأخرى؛ إنما هو مطالبة مشروعة بالمساءلة عن جودة التعليم وعدالته. لا ينبغي للمدرسة أن تكون الحلقة الأولى في سلسلة لا تنتهي من النفقات؛ سلسلةٍ تشتري فيها الأسر الميسورة لأبنائها فرصاً تعليمية أوسع، فيما تُترك الأسر محدودة الدخل لتدبّر أمرها بما تيسّر. وعندها لا تبقى الهوّة بين الطلاب هوّةً في التحصيل فحسب، بل تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى هوّة اجتماعية.
اللغة الأجنبية: سنوات من الدراسة.. وصمتٌ في الحديث
ومن القضايا التي تستدعي مراجعة جادة، تعليم اللغات الأجنبية. يمضي الطالب سنوات في دراسة اللغة، يطوي الكتب واحداً تلو الآخر، ويخوض الامتحانات مرة بعد مرة، ثم يجد نفسه في النهاية عاجزاً عن إدارة حوار بسيط بطلاقة، أو قراءة نصٍّ وفهمه فهماً سليماً.
وهذا يضعنا أمام سؤال لا مفرّ منه: هل نعلّم أبناءنا اللغة ليستعملوها، أم لنعدّهم فقط للإجابة عن أسئلة الامتحان؟
لم تعد اللغة الأجنبية في عالم اليوم ترفاً أو مهارة ثانوية؛ إنها نافذةٌ على العالم، وجسرٌ إلى المعرفة العلمية، ومفتاحٌ للتقنية، وجواز مرور إلى الفضاء الدولي. فإذا ظلّ الطالب، بعد سنوات من الدراسة، محتاجاً إلى معاهد خارجية لتلبية أبسط احتياجاته اللغوية، فالمساءلة يجب أن تتجه إلى النظام التعليمي نفسه، لا أن تُلقى المسؤولية كلها على كتفي الطالب.
المدرسة.. حيث يتشكّل الإنسان
المدرسة ليست مكاناً للتعلّم فقط، بل هي المكان الذي تتشكّل فيه نظرة الطالب إلى ذاته وإلى مستقبله. والجيل الذي يقصدها كل صباح ينبغي أن يجد فيها، إلى جانب المعرفة، الأملَ والثقةَ بالنفس والمهارةَ، وحقَّ التجربة حتى لو انتهت بالإخفاق. أما إذا تحوّلت المدرسة إلى ساحة للامتحانات والدرجات والترتيب والمقارنة والتنافس، فقد يضيع منها جوهر رسالتها الأولى: تربية الإنسان.  
على الطالب أن يدرك أن الإخفاق ليس نهاية الطريق، وأن الاختلاف ليس عيباً، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بدرجته ولا بترتيبه ولا باسم المدرسة التي يرتادها. فالمجتمع الذي ينشد مستقبلاً مضيئاً لا يملك ترف اللامبالاة بأحوال جيله الدارس.
فخّ المقارنة
من أخطر ما يصيب البيئة التعليمية تلك المقارنة الدائمة بين الطلاب:
«لماذا لست مثله؟»
«انظر إلى الدرجة التي نالها فلان!» «انظر إلى الترتيب الذي أحرزه طالب المدرسة الفلانية!»
قد تبدو هذه العبارات محفّزة في ظاهرها، لكن التعليم لا يجوز أن يتحوّل إلى سباق مفتوح بين البشر. فلكل طالب موهبته، وظروفه العائلية، وإمكاناته، ومساره الخاص في النمو. ومهمة المدرسة أن تعين الطالب على أن يكون نسخة أفضل من نفسه، لا أن يقضي عمره لاهثاً خلف أن يكون نسخة من زميلٍ أكثر نجاحاً.
بين الثقة بالنفس والشعور بالتفوّق
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، ثمة مسألة مختلفة: فالاهتمام بالطالب، وتعزيز ثقته بنفسه، وتوفير الإمكانات له، لا تكتمل قيمته إلا إذا اقترن بحسّ المسؤولية واحترام الآخرين.
 فإذا تعلّم الطفل منذ نعومة أظفاره أن الإمكانات الأوفر، والأقساط الأعلى، والمدرسة المتميزة، والتفوّق الدراسي، تجعله أرفع شأناً من غيره، فإن التعليم بدل أن يبني فيه الثقة بالنفس، قد يزرع فيه بذرة الاستعلاء.
«الثقة بالنفس تقول: أستطيع أن أنمو.. والنرجسية تقول: أنا أفضل من الآخرين.»
وعلى المدرسة أن ترعى الأولى، لا الثانية.
ليست هذه قضية الأسرة أو المدرسة وحدهما؛ إنها قضية المجتمع الذي نبنيه. فحين تصبح جودة التعليم رهينةً بقدرة الأسرة المالية، تجد العدالة التعليمية نفسها أمام امتحان عسير.


تابعنا على
تصميم وتطوير