رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
وأخيراً .. غادر الشعراء من متردم


المشاهدات 1092
تاريخ الإضافة 2026/10/06 - 8:09 PM
آخر تحديث 2026/10/07 - 12:43 AM

منذ أكثر من 1500 عام او ربما يزيد بقي سؤال عنترة بن شداد “هل غادر الشعراء من متردم؟” قائما بل  “حاشرا” بين العصور بلا إجابة. سؤال عنترة الذي نسجت حول بطولاته الأساطير خاصة بعد أن “ذب لحم” في سبيل أن يحظى بابن عمته عبلة جاء في سياق معلقته الشهيرة التي ينتهي مطلع بيتها السالف”وهل عرفت الدار بعد توهم”؟. اليوم لو سألنا الذكاء الإصطناعي ليمكننا من الإجابة  عن سؤال عنترة ماذا يقول؟ سؤال آخر سوف نجد إجابته الإفتراضية في ثنايا هذا المقال علما أن الثقة تبقى بالشعراء ضعيفة كونهم طبقا للقرآن الكريم “يتبعهم الغاوون”.  ومع أن الله سبحانه وتعالى حين “ذم” الشعراء في سورة حملت إسمهم “سورة الشعراء” إستثنى “آمنوا وعملوا الصالحات” من بين الشعراء. لست معنيا هنا بتفسير مدلول الآية الكريمة لكني معني بالشعر سؤالا حاشرا في معلقة عنترة وذما في صيغة الهجاء في السؤال القرآني “ألم تر إنهم في كل واد يهيمون. وإنهم يقولون ما لا يفعلون”؟  وبالعودة الى “ذم” الشعراء قرآنياً مع إستثناء “الذين آمنوا”، فإن سؤال الشعرية يبقى قائما لجهة هل يتطابق الإيمان مع الشعر؟ الإجابة عن هذا السؤال تقول إن كل الشعراء الذين تركوا لنا شعرا عظيما منذ إمرئ القيس، قائد الشعراء الى النار كما تقول السردية التراثية حتى بدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي، وقبلهم بالولادة نازك الملائة وبعدهم الباقي على قيد الحياة من جيلهم المحايث “الستينيات” أدونيس وعبد المعطي حجازي، لم يكونوا من “الذين آمنوا “ طبقاً لمنظومة الدين القائمة على الصلاة والصيام والزكاة وإيتاء ذي القربى والمساكين. بعض هؤلاء كانوا هم أصلا من المساكين الذين يستحقون الصدقة مثل السياب الذي ترك لنا ما نتغنى به على مدى العصور “عيناك غابتا نخيل ساعة السحر .. أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر”، وغيره من عظيم الشعر شأنه شأن أسلافه العظام من شعراء هذه الأمة من غير المؤمنين.
ولأننا في عصر “الذكاء الإصطناعي”، ولدى سؤالي إياه عن نصي عنترة “هل غادر الشعراء” والسياب “أنشودة المطر”، كان جوابه التالي: إن القراءة النقدية العميقة لهذين النصين تكشف أنهما ليسا مجرد قصيدتين، بل هما “وثيقتان وجوديتان” تمثلان لحظتين مفصليتين في تاريخ الوعي العربي؛ الأولى تمثل ذروة الاعتداد بالذات الفردية في مواجهة القبيلة، والثانية تمثل ذروة انكسار الذات الجماعية في مواجهة الوطن والتاريخ. عنترة يبدأ بقلق ابتكاري؛ يتساءل عما إذا كان من سبقوه قد تركوا له معنى أو صورة لم تُستهلك. أما إنشودة السياب فهي “مرثية العراق الخالدة وتلغيم الرمز” طبقاً لناقدنا الذكاء الإصطناعي. فإذا كان عنترة قد كتب ليثبت حضوره، فالسياب كتب ليرثي غياب أمته.
خلاصة القول إن عنترة استخدم معلقته كـ “سيف” ليشق به طريقاً إلى مركز المجتمع ويثبت حريته. أما السياب، فقد استخدم أنشودته كـ “إسفنجة” امتصت كل خطايا وتناقضات وتاريخ العراق السياسي والاجتماعي، ليعصرها دماً ودموعاً على شكل مطر، مطر، مطر.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير