
حين أعود إلى ذاكرة الإذاعة العراقية في سبعينيات القرن الماضي أجد أمامي أسماء كثيرة كان لكل واحد منها حضور خاص في المشهد الثقافي والإعلامي العراقي. غير أن اسم أحمد خلف يبقى واحدا من الأسماء التي ارتبطت في ذاكرتي بتلك المرحلة ارتباطا إنسانيا ومهنيا عميقا. فقد جمعنا العمل في القسم الثقافي في إذاعة بغداد يوم كان ذلك القسم أشبه بورشة ثقافية مفتوحة تستقطب خيرة الأدباء والكتاب والمثقفين العراقيين.
كانت تلك السنوات بالنسبة لي واحدة من أجمل مراحل العمل الإذاعي وأكثرها ثراء. وكان أحمد خلف في قلب هذه التجربة فاحصا ومحررا وعضوا فاعلا في القسم الثقافي. وكان سعد البزاز يتولى رئاسة القسم في مرحلة من مراحله ثم أصبح أحمد خلف رئيسا له بعد ذلك. وضم القسم في تلك السنوات أسماء مهمة من بينها فضل النقيب وحسب الشيخ جعفر ومحمد الجزائري وعبد المنعم خطاوي وروناك شوقي وغيرهم. كما كان القسم يستقبل أسماء أدبية وثقافية بارزة مثل طراد الكبيسي وخزعل الماجدي وحسب الله يحيى وياسين النصير وغيرهم من المثقفين الذين جعلوا من الإذاعة فضاء حقيقيا للحوار الثقافي.
ولم تكن علاقتي بأحمد خلف علاقة زميل بآخر فحسب فقد كان صديقا وجارا لسنوات لي ولإخوتي. ولذلك فإن الحديث عنه لا يأتي من ذاكرة مهنية فقط وإنما من ذاكرة إنسانية أعتز بها كثيرا. لقد كان أحمد خلف إنسانا هادئا قريبا من القلب متواضعا في حضوره كبيرا في تجربته ويستحق كل الاحترام والتقدير.
من الشنافية إلى عالم الأدب
ولد أحمد خلف شطب مهنا الجبوري عام 1943 في الشنافية إحدى نواحي محافظة الديوانية ونشأ في أسرة متوسطة الحال أو أقل من ذلك. ولم يكن الوسط العائلي الذي نشأ فيه يتوقع أن يتحول أحد أبنائه إلى كاتب وقاص وروائي يحمل اسمه إلى واحدة من أهم تجارب السرد العراقي الحديث. كان أحمد خلف مختلفا في اهتماماته عن محيطه العائلي. فقد وجد نفسه منذ سنوات الدراسة الأولى مشدودا إلى القراءة والكتابة والثقافة. وكانت نقطة التحول الأهم في حياته عندما التقى الشاعر الكبير مظفر النواب الذي كان له أثر واضح في اكتشاف موهبته وتوجيهه نحو الأدب. يروي أحمد خلف أن مظفر النواب كان أول من انتبه إلى موهبته الأدبية وأنه أتاح له من مكتبته الخاصة قراءات كان لها أثر كبير في تكوين وعيه المبكر. وكانت روايات جون شتاينبك وإرنست همنغواي من بين القراءات التي فتحت أمامه أبوابا جديدة في النظر إلى الإنسان والمجتمع والحياة.
لم يكن ذلك اللقاء عابرا في حياة أحمد خلف. فقد كان بمثابة البذرة الأولى التي أخذت تنمو في داخله حتى أصبح الأدب بالنسبة إليه طريقة في النظر إلى العالم وليس مجرد هواية أو نزوع إلى الكتابة.
وثيقة الصمت وبداية الطريق
بدأ أحمد خلف خطواته الأولى في كتابة القصة في ستينيات القرن الماضي. وكانت قصة وثيقة الصمت التي نشرت في الملحق الثقافي لجريدة الجمهورية عام 1966 من العلامات الأولى في مسيرته الأدبية.
لكن القصة التي صنعت حضورا مبكرا لاسم أحمد خلف كانت خوذة لرجل نصف ميت التي نشرت في مجلة الآداب البيروتية عام 1969. وقد أثارت القصة اهتمام عدد من الكتاب والنقاد ووجدت صدى واضحا لدى أسماء أدبية ونقدية معروفة.
كان النص مختلفا في لغته وبنائه ورؤيته ولذلك أثار فضول النقاد حتى إن بعضهم ظن في البداية أن كاتبه فلسطيني أو جزائري. ولم يكن ذلك غريبا في تجربة كاتب كان يبحث منذ بداياته عن صيغة سردية تتجاوز المألوف وتمنح الشخصية مساحة واسعة للتعبير عن قلقها وأسئلتها.
وقد شكلت خوذة لرجل نصف ميت نقطة فاصلة في تجربته القصصية لأنها أعلنت عن ولادة صوت سردي جديد ينتمي إلى جيل الستينيات ويبحث عن التجديد في الشكل والمضمون. ولهذا بقيت القصة حاضرة في الحديث عن أحمد خلف حتى السنوات الأخيرة من حياته.
الإذاعة بوابة أخرى إلى الثقافة
دخل أحمد خلف الإذاعة العراقية عام 1969 بإشارة من الشاعر حميد سعيد وبعد أن كان قد نشر عددا من المقالات الأدبية والثقافية في الصحف والمجلات العراقية ومنها مجلة ألف باء وغيرها. وكان دعم الشاعر سامي مهدي له عاملا مهما في دخوله الوسط الإذاعي.
بدأ عمله في القسم الثقافي الذي كان يضم عددا من الأدباء والنقاد المعروفين. وكان من بينهم حسب الشيخ جعفر وعبد الجبار عباس الحلي وحسين مردان وعزيز الخاقاني وغيرهم. ثم ارتبط اسمه لاحقا بالعمل في الأقسام الثقافية في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وأصبح واحدا من العناصر الفاعلة فيها.
وكان أحمد خلف يرى أن الإذاعة ليست مجرد وسيلة لبث البرامج وإنما مؤسسة ثقافية تستطيع أن تصنع وعيا عاما إذا أحسنت اختيار العاملين فيها وأعطت الثقافة مكانتها الحقيقية.
ومن خلال عمله أعد أحمد خلف عددا كبيرا من البرامج الثقافية. وكان من بينها برنامج القصة القصيرة الذي كان فاضل ثامر يشرف عليه وبرنامج «الصحافة اليوم» الذي كان يشرف عليه محمد الجزائري وبرنامج بداية ونهاية الذي كان ياسين النصير يشرف عليه إضافة إلى برامج أخرى.
وكان ينظر إلى كل برنامج ثقافي بوصفه حلقة دراسية ومجلة ثقافية مصغرة. وكان معد البرنامج يشعر بمسؤولية كبيرة تجاه ما يقدم إلى المستمع. ولذلك كانت المنافسة بين الأدباء والكتاب داخل القسم الثقافي منافسة حقيقية وشريفة هدفها الوصول إلى الأفضل.
الفاحص الذي كان يؤمن بالثقافة
من الجوانب المهمة في شخصية أحمد خلف المهنية عمله فاحصا للبرامج. وهذه المهمة لم تكن بالنسبة إليه إجراء إداريا عابرا بل كانت مسؤولية ثقافية تحتاج إلى معرفة وخبرة وقدرة على قراءة النص من أكثر من زاوية.
كان يؤكد أن فاحص البرامج يجب أن يكون مثقفا وموضوعيا ومنصفا وأن يمتلك القدرة على تقييم المادة التي يقرأها مهما كان اسم كاتبها. وكان يرى أن ضعف الفاحص يمكن أن ينعكس سلبا على مستوى القسم وعلى سمعة المؤسسة كلها. وهذه الرؤية تكشف جانبا آخر من شخصيته فقد كان أحمد خلف يتعامل مع العمل الإعلامي بوصفه امتدادا لمشروعه الثقافي. ولذلك لم يفصل بين الكاتب والإعلامي ولم ير في الإذاعة وظيفة منفصلة عن الأدب بل وجد فيها مجالا آخر لخدمة الثقافة.
شتاينبك والوعي المبكر بالحرية
كان الأدب الأمريكي واحدا من المداخل الأساسية التي عبر منها أحمد خلف إلى عالم القراءة. ومن الكتب التي تركت أثرا عميقا في نفسه رواية «أفول القمر» لجون شتاينبك التي قرأها في بداية حياته الأدبية بعد أن حصل عليها من مكتبة مظفر النواب.كانت الرواية التي تتناول مقاومة قرية دنماركية للاحتلال النازي ذات تأثير واضح في تكوين رؤيته المبكرة للإنسان المتمرد على الظلم. وقد انعكس هذا الأثر في عدد من قصصه الأولى التي انحازت إلى حرية الإنسان ورفض القهر والجور.
ولم تنته علاقته بالرواية عند القراءة الأولى. فقد ضاعت نسخته القديمة خلال سنوات الحصار والظروف الاقتصادية الصعبة ثم تمكن بعد سنوات من الحصول على نسخة أخرى وأعاد قراءة الرواية وكتب عنها مقالا بعنوان أفول القمر ـ إعادة قراءة.
وهنا تظهر طبيعة العلاقة التي كان أحمد خلف يقيمها مع الكتب. فالكتاب بالنسبة إليه لم يكن مادة للقراءة تنتهي بانتهاء صفحاته وإنما ذاكرة ترافق صاحبها وتعود إليه كلما احتاج إلى استعادة مرحلة من حياته.
من نزهة في الشوارع المهجورة إلى عالم الرواية
في عام 1974 أصدر أحمد خلف مجموعته القصصية الأولى نزهة في شوارع مهجورة لتتوالى بعد ذلك مجموعاته القصصية ورواياته التي رسخت موقعه في السرد العراقي.
ومن مجموعاته القصصية منزل العرائس و خريف البلدة و في ظلال المشكينو و تيمور الحزين إلى جانب أعمال أخرى أكدت قدرته على تطوير تجربته والانتقال من مرحلة إلى أخرى دون أن يفقد صوته الخاص.
أما في الرواية فقد جاءت الخراب الجميل عام 1980 لتفتح أمام تجربته السردية أفقا أوسع. ثم توالت أعماله الروائية التي من بينها موت الأب و حامل الهوى و الحلم العظيم و الذئاب على الأبواب و محنة فينوس و عصا الجنون و عن الأولين والآخرين و الرواق الطويل و في الطريق إليك إضافة إلى رواية تسارع الخطى .
وتشير الدراسات النقدية التي تناولت أعماله إلى أن الشخصية المأزومة والقلقة والمتمردة كانت من السمات الواضحة في عالمه السردي. فشخصياته غالبا ما تواجه واقعا مضطربا وتبحث عن معنى للوجود وسط التحولات السياسية والاجتماعية والنفسية التي عاشها العراق.
أحمد خلف والإنسان المأزوم
لم يكن أحمد خلف يكتب عن الأحداث بمعزل عن الإنسان. كان الحدث عنده مدخلا إلى أعماق الشخصية. ولهذا جاءت شخصياته قلقة ومطاردة ومتمردة في كثير من الأحيان. وكان الزمن السياسي يتحول في نصوصه إلى زمن نفسي كما كان المكان يتحول من مجرد إطار للأحداث إلى عنصر فاعل في بناء التجربة. وهذه الخصوصية جعلت قصصه ورواياته قابلة لقراءات متعددة. فقد رأى نقاد في أعماله صورة للبطل الذي يعيش اغترابه ويبحث عن معنى وجوده بينما رأى آخرون أن الشخصيات عنده تحمل آثار التحولات الكبرى التي عاشها المجتمع العراقي والعربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ولعل هذا ما جعل تجربته تتجاوز حدود القصة التقليدية. فقد كان التجريب جزءا من وعيه الفني. وكان يختبر إمكانات السرد باستمرار ويعيد النظر في العلاقة بين الراوي والشخصية والزمن والمكان.
الثقافة العراقية بين الإذاعة والمنتديات
كان أحمد خلف يرى أن الثقافة تتأثر بالمناخ العام للبلد وأن اهتمام الدولة بالثقافة ينعكس بصورة مباشرة على المؤسسات الثقافية. ولذلك كان ينظر إلى تجربة القسم الثقافي في الإذاعة بوصفها جزءا من مرحلة كان فيها الاهتمام بالثقافة واضحا. ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق والمنطقة العربية تراجعت أحيانا مساحة الثقافة أمام السياسة والأحداث الكبرى. لكنه لم يكن من الذين ينظرون إلى المشهد الثقافي بعين اليأس.كان يؤمن بأن الثقافة العراقية بقيت حية لأنها تستند إلى تاريخ طويل وإلى طاقات شابة قادرة على التجدد. وكان يرى في الجوائز العربية والدولية التي حصل عليها عدد من الكتاب العراقيين دليلا على أن حركة الإبداع لم تتوقف.
سنواته الأخيرة والكتابة حتى النهاية
حتى سنواته الأخيرة ظل أحمد خلف وفيا للكتابة. فقد واصل مشروعه السردي والنقدي وظل ينظر إلى الأدب بوصفه مشروعا مفتوحا لا يتوقف عند كتاب معين.
وكان من بين أعماله الأخيرة الجمال في مدياته المتعددة ورواية تسارع الخطى كما ظل يعمل على مشروع رواية جديدة بعنوان مملكة المعنى كان ينظر إليها بوصفها عملا يتناول عذابات الوطن وهموم الناس. وكان لديه أيضا مشروع كتاب بعنوان اللا منتمي بين المطاردة والمصادرة .
وفي عام 2024 صدرت أعماله القصصية الكاملة في جزأين عن دائرة الشؤون الثقافية العامة وهو إصدار حمل تجربة طويلة بدأت منذ ستينيات القرن الماضي وأكد استمرار حضور أحمد خلف في الذاكرة السردية العراقية
الرحيل وبقاء الأثر
في السادس من كانون الثاني عام 2025 غاب أحمد خلف في بغداد بعد مسيرة امتدت أكثر من ستة عقود بين القصة والرواية والصحافة والعمل الثقافي والإذاعي. ورحل عن عمر ناهز الثانية والثمانين مخلفا وراءه منجزا أدبيا وثقافيا واسعا.