
أثناء عملي على إعداد الطبعة الثانية من كتابي «زَخيخة .. الخيال وذاكرة المكان»، وجدتني أنغمس في تجربة استقصائية مختلفة، بدأت بحكاية من حكايات الكتاب، ثم أخذت تتشعب وتتكشف أمامي كلما أزحتُ غبار الزمن عن وثيقة نادرة، أو استمعت إلى شهادة جديدة، أو عثرت على صورة ظلت حبيسة ذاكرة عائلة لعقود طويلة. كانت الحكاية تتصل بشخصية عاشت حياة عجيبة، حفلت بالمخاطر والمفارقات والأحداث التي دفعتها، وهي طفلة، إلى مغادرة موطنها الأصلي، في رحلة خطيرة وصعبة قادتها إلى قرية في أعالي الفرات، حيث آواها شيخ القرية، واحتضنها وكفلها، وعاملها كأنها واحدة من بناته، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن تفاصيل حياة لم يكن ممكناً أن تستعيد أبعادها الحقيقية من خلال الرواية الشفاهية وحدها. وعلى مدى أكثر من شهرين، وجدتني أرتحل من مكان إلى آخر، أبحث عن صورة هنا، ووثيقة هناك، وشهادة لدى أحد أحفاد الشخصية أو ممن تناقلوا أخبارها عن الآباء والأجداد، وكلما ظننت أنني بلغت نهاية الطريق، انفتح أمامي طريق آخر، يقود إلى خيط لم أكن أعرف بوجوده، وكانت الوثيقة تقودني إلى شاهد، والشاهد يفتح أمامي باباً إلى ذاكرة أخرى، حتى غدت الحكاية أشبه بمتاهة جميلة، لا تنكشف أسرارها دفعة واحدة، بل تمنح الباحث بعضاً منها، وتدعوه إلى مواصلة الرحلة.
وكنت أتحدث مع عدد من الزملاء عن المتعة الهائلة التي وجدتها في هذا العمل، فعلق أحدهم، وهو من أصحاب الإسهامات في صحافة الاستقصاء، وممن أسهموا في إدخال هذا اللون الصحفي إلى المفردات الأكاديمية في كليات الإعلام، بأن ثمة مفهوماً خاطئاً شائعاً للاستقصاء، يحصره في كشف ملفات الفساد، وتعقب التجاوزات، وفضح مواطن الخلل في المؤسسات، والحقيقة أن الاستقصاء أوسع من ذلك بكثير، إنه منهج في البحث عن الحقيقة، لا تحده طبيعة الموضوع بقدر ما تحدده طبيعة الأسئلة، وعمق البحث، والقدرة على التحقق من المعلومات وربط الوقائع بعضها ببعض، وقد يكون موضوعه فساداً يستوجب الكشف، وقد يكون حدثاً تاريخياً غامضاً، أو سيرة إنسان طواها النسيان، أو حكاية شعبية تختبئ خلفها وقائع لم تجد من ينقب عنها، ذلك إن البحث التاريخي، حين يستند إلى الوثائق والشهادات والمقارنة والتحقق، يمكن أن يكون ممارسة استقصائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالاستقصاء ليس مجرد مطاردة للفضائح، بل هو أيضاً إنقاذ للذاكرة من النسيان، وإعادة تركيب للماضي على ضوء الأدلة، واكتشاف لما ظل غائباً أو مجهولاً. ولعل أجمل ما في هذه التجربة تلك اللحظة التي تلتقي فيها الرواية بالدليل، وتكتسب الحكاية القديمة ملامح جديدة، فنشعر بأننا لم نعد نكتب عن الماضي فحسب، بل نعيد اكتشافه. أتمنى على الصحفيين وطلبة الصحافة وأساتذتهم منح الاستقصاء مساحة أوسع في الممارسة المهنية والمناهج الأكاديمية، فإلى جانب أهميته في كشف الحقائق، فإنه ينطوي على متعة معرفية استثنائية، لا يدركها حقاً إلا من عاش تفاصيل البحث، وذاق لذة الوصول إلى الحقيقة بعد طول تحرٍّ وانتظار. فثمّة متعة لا تضاهيها متعة، حين تكتشف أن وراء الحكاية التي ظننت أنك تعرفها، حكاية أخرى لم يسبق لأحد أن رواها.