رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ماذا لو جاء الأمير الى بغداد؟


المشاهدات 1061
تاريخ الإضافة 2026/10/11 - 8:54 PM
آخر تحديث 2026/10/12 - 12:53 AM

في السبعينات عندما كنت طالبة في كلية القانون والسياسة قسم العلوم السياسية بجامعة بغداد كنا نذكر ميكافيلي وكتابه الامير كثيرا ومقولته الشهيرة (الغاية تبرر الواسطة) ... 
اجد اليوم من يتداول كتابه ومقولته ويصف بعضا من السياسين بها فاستطلعت اراء بعض اصحاب المكتبات وفوجئت ان الكتاب لازال يطبع في العراق والعالم ولازال مطلوبا فقررت الكتابة عنه.
في سنة 1513، وفي فلورنسا الإيطالية، جلس رجل أُبعد عن السلطة وأُقصي عن الحياة السياسية ليكتب واحداً من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخ السياسة: «الأمير».
كان ذلك الرجل نيكولو ميكافلي (1469–1527)، الدبلوماسي والسياسي والمؤرخ الفلورنسي الذي عرف السلطة من داخلها، ثم عرف الإقصاء عنها. وبعد عودة آل ميديتشي إلى السلطة، وجد ميكافلي نفسه خارج المشهد السياسي، فكتب «الأمير» موجهاً إلى لورينزو دي ميديتشي، أملاً في استعادة موقعه السياسي. وقد كُتب الكتاب سنة 1513، لكنه لم يُنشر إلا بعد وفاة مؤلفه، عام 1532. 
لماذا نعود إلى كتاب عمره أكثر من خمسة قرون ونحن نعيش في بغداد عام 2026؟
لأن ميكافلي لم يكن مهتماً فقط بما ينبغي أن تكون عليه السياسة، وإنما بما تفعله السياسة فعلاً عندما تتصارع المصالح والقوة والخوف والتحالفات.
وهنا تبدأ الحكاية العراقية.
«الأمير» ليس كتاباً عن الفضيلة بالمعنى الأخلاقي التقليدي. إنه محاولة لفهم السلطة: كيف يصل الحاكم إليها؟ كيف يحافظ عليها؟ كيف يتعامل مع خصومه؟ ومتى تكون القوة أهم من الخطاب؟ ومتى يصبح التحالف ضرورة للبقاء؟ولهذا بقي الكتاب حياً.والدليل أن «الأمير» لم يتحول إلى أثر تاريخي يوضع على رفوف المكتبات انما ما زالت دور النشر العالمية تطبعه وتبيعه.فبنجوين كلاسيكس لديها طبعة بترجمة تيم باركس، متاحة ورقياً وإلكترونياً، وهناك طبعات أخرى حديثة. والأكثر لفتاً أن دار يونين سكوير أصدرت في نيسان 2026 طبعة جديدة تجمع «الأمير» مع «فن الحرب» في مجلد واحد.
أي أن العالم ما زال يشتري ميكافلي.
وربما ليس لأنه يحب «الميكافيلية»، بل لأنه يريد أن يفهم كيف تعمل السلطة عندما تتجاوز الشعارات وهنا يصبح العراق سؤالاً مفتوحاً أمام الكتاب ،العراق اليوم ليس فلورنسا القرن 16 ولا يجوز إسقاط أفكار ميكافلي عليه بصورة ميكانيكية. لكن بعض أسئلته تبدو مألوفة بصورة مدهشة.
من يملك السلطة فعلاً؟
هل تكفي المناصب الدستورية لمعرفة أين توجد القوة؟
هل يستطيع رئيس الحكومة، بمجرد امتلاكه المنصب، أن يمتلك القرار كله؟
وهل التحالفات السياسية تُبنى دائماً على البرامج والمبادئ، أم أن المصالح المتغيرة تدخل في تشكيلها واستمرارها؟
هذه ليست أسئلة نظرية تماماً ،فالدراسات الحديثة عن العراق تشير إلى استمرار مشكلة تعدد مراكز القوى وتأثير القوى السياسية والمسلحة وشبكات النفوذ غير الرسمية في عملية صنع القرار وقد وصف تقرير لمركز تشاتام هاوس المشكلة بعبارة شديدة الدلالة: الاندماج الرسمي في مؤسسات الدولة لا يعني بالضرورة انتقال السلطة الفعلية إليها وهذا وفق رؤية المركز طبعا.
وهنا تحديداً يبدو ميكافلي حاضراً، لا بوصفه «عرّاباً» للسياسة العراقية، وإنما بوصفه قارئاً قديماً لظاهرة ما زالت تتكرر: الفرق بين السلطة التي يمنحها المنصب والسلطة التي تصنعها شبكة المصالح والقوة والتحالفات.
وفي العراق المعاصر، لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد أيضاً. النفط يمثل نحو 90 في المئة من إيرادات الدولة، ما يجعل السيطرة على الموارد المالية جزءاً مهماً من معادلة القوة السياسية والاقتصادية، لكن ثمة فارقاً مهماً بين ميكافلي وعصرنا،ميكافلي كان يكتب عن الأمير ،أما العراق الحديث فيفترض أن تحكمه المؤسسات والدستور والقانون، لا إرادة أمير واحد.
ومن هنا تصبح قراءة «الأمير» أكثر إثارة: ليس لكي نقول إن هناك «أميراً» عراقياً،وإنما لكي نسأل: ماذا يحدث عندما تتوزع السلطة بين مؤسسات رسمية وقوى سياسية وتحالفات وشبكات نفوذ؟
لقد كتب ميكافلي قبل أكثر من خمسمائة عام عن عالم كانت فيه المدن الإيطالية تتصارع على السلطة والنفوذ والبقاء ،واليوم، ونحن نقلب صفحات «الأمير» في بغداد، قد نشعر أحياناً أن الرجل لم يكن يتحدث عن زمنه وحده،ربما كان يحذرنا من شيء أبعد: أن السياسة لا تُفهم دائماً من خطابات السياسيين، بل من الطريقة التي تتحرك بها القوة خلف تلك الخطابات.
ولهذا ما زال العالم يشتري «الأمير».
وربما لهذا أيضاً يستحق أن يُقرأ في بغداد مرة أخرى.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير