
يواجه الإنسان في مسيرته الوجودية معضلة تتمثل في هشاشة الروابط الإنسانية وتقلبها المستمر. فالأصدقاء يتغيرون بحكم الزمن وتضارب المصالح، والعواطف العابرة تفقد حرارتها، والجسد نفسه يخون صاحبه حين يتقدم في العمر ويفقد جاذبيته القديمة. وأمام هذا التآكل الذي يصيب كل ما هو حي، تظهر الحاجة إلى رفيق لا يشيخ، ولا تغيره تقلبات المزاج، ولا يفرض شروطا لاستمرار وده. يجيب ميشيل دو مونتيني عن هذا الإشكال بجعل «صداقة الكتب» ملاذا ثابتا في حياة الفرد، ويرى أن العلاقة مع المعرفة المقروءة تتقدم على صنفين آخرين من العلاقات الإنسانية: علاقة الرجال (الصداقة العادية) التي يؤثر فيها الغياب والانشغال، وعلاقة النساء التي يغيّرها تبدل الجسد وذبول العاطفة. في المقابل، توفر الكتب ميزة «الاستعداد الدائم والسهولة في الاستعمال»؛ فهي ترافق الإنسان في كل مكان، وتخفف عنه هجمات الألم، وتسد فراغ الوحدة في الشيخوخة.
تتميز هذه العلاقة بخلوها من التكلف والشروط المسبقة. تستقبل الكتب القارئ متى شاء، وتنسحب بصمت حين يفقد الرغبة في صحبتها. يصف مونتيني مكتبته بأنها مملكته الخاصة، يديرها بعيدا عن صخب المجتمع، وفيها يعزل نفسه عن التزامات الزوجة والأبناء والخدم، فيخلق مساحة من السيادة. وتمثل هذه العزلة ممارسة لسيادة الذات، إذ يملك الفرد في هذا المكان حق توجيه أفكاره دون وصاية خارجية.
يظهر مثال معاصر على هذه «الصداقة النصية» في «الببليوثربيا» (العلاج بالقراءة)، وهي ممارسة تستخدم في بعض السياقات العلاجية لمساعدة الأفراد على تجاوز الاكتئاب والعزلة القهرية. يجد المريض في تجارب الآخرين المكتوبة صدى لمآسيه الخاصة، وتمنحه النصوص عزاء صامتا لا يطلب منه تبريرا لانكساراته. ويبدو الكتاب في هذه الممارسة وسيلة لتعليق الزمن، إذ يمنح العقل مساحة آمنة يتنفس فيها بعيدا عن خيبات التجربة الاجتماعية اليومية.
من صفحة سالم المعرفة