
ظافر جلود
أثارت حلقة «رواد المسرح العراقي» المنشورة في جريدة الزوراء الغراء المنشور بعدد يوم الاحد 11 10 والتي وصلت الى اكثر من (100) حلقة، ردود وسجال ونقاش بين المسرحيين العراقيين الذين عاشوا تجربة المخرج الأستاذ حميد، بل انتقلت الى سجال فكري جمالي مسرحي تعيدنا الى الأسئلة الازلية عن المسرح والانسان، وبالتالي فإن ثمة حوارات لا نكتفي بمتابعتها، بل نشعر ونحن نصغي إليها بأننا نستعيد زمنًا كاملًا من حياتنا الثقافية، ونعود إلى الأسئلة التي صنعت وعينا بالفن، ودفعت المسرح العراقي إلى مغامرات جمالية وفكرية تجاوزت حدود المكان، ولامست آفاق التجريب المسرحي العالمي.
ذلك ما شعرت به وأنا أتابع الاشتباك الفكري والفني بين الدكتور فاضل السوداني والفنان المسرحي العالمي سمير عبد الحبار، وهما يتحاوران حول تجربة المخرج العراقي حميد محمد جواد؛ هذه التجربة التي تستحق أن تُستعاد لا بوصفها ذكرى من الماضي، وإنما باعتبارها واحدة من المحطات التي أسهمت في تشكيل الوعي المسرحي الطليعي في العراق.لقد أسعدني هذا الحوار كثيرًا، وأثار في داخلي متعة الاكتشاف، لأننا أمام فنانين لا يتعاملان مع المسرح باعتباره مهنة تنتهي بانتهاء العرض، بل بوصفه رؤية للعالم، وموقفًا من الحياة، ومغامرة دائمة في البحث عن لغة جمالية جديدة.
حميد محمد جواد.. الأستاذ الذي حرّض على التمرد: ليس من السهل الحديث عن حميد محمد جواد من دون التوقف عند طبيعة المشروع الذي حمله إلى المسرح العراقي. فقد ارتبط اسمه، في شهادات وكتابات مسرحية، بروح التمرد على القوالب التقليدية، وبالانفتاح على الثقافة الفلسفية والفنية، وبالبحث عن إمكانات جديدة للصورة والتكوين والفضاء المسرحي. ويستعيد فاضل السوداني، في كتاباته عن تجربته، أثر حميد محمد جواد في تكوين رؤيته الفنية، ولا سيما في الاشتغال على مسرح الصورة، وفي التعامل مع العرض بوصفه بناءً بصريًا وفكريًا متكاملًا، لا مجرد نص أدبي يتحرك فوق الخشبة. كما يتوقف عند تجربته في إخراج «هاملت»، وما حملته من مقاربة تأويلية وفلسفية.
من هنا تتضح أهمية العودة إلى تجربة هذا المخرج؛ فهو ليس مجرد اسم يستدعيه الحنين إلى جيل مسرحي مضى، بل مدخل إلى فهم التحولات التي شهدها المسرح العراقي، حين بدأ عدد من مبدعيه في مساءلة العلاقة بين النص والعرض، وبين الحكاية والصورة، وبين المألوف والمغامرة الجمالية.
إن الأستاذ الحقيقي ليس من يقدّم المعرفة جاهزة لطلابه، بل من يوقظ فيهم الرغبة في تجاوزها، ويدفعهم إلى اكتشاف طرقهم الخاصة. ولعل هذه إحدى الدلالات التي تجعل تجربة حميد محمد جواد جديرة بالتأمل وإعادة القراءة.
حين يصبح الاختلاف متعة معرفية: ما شدّني في النقاش بين فاضل السوداني وسمير عبد الحبار هو أن الاختلاف، حين يصدر عن معرفة وتجربة، يتحول إلى طاقة إبداعية. فليس المطلوب أن تتطابق القراءات أو تتشابه الأحكام، وإنما أن يفتح كل رأي نافذة جديدة على التجربة، وأن يمنحنا فرصة لرؤية ما قد لا نراه من زاويتنا الأولى.
إن الاشتباك الفني الحقيقي لا ينتقص من قيمة الفنان موضوع النقاش، بل يضع تجربته تحت ضوء أكثر كثافة. وحين يكون موضوع الحوار مخرجًا مثل حميد محمد جواد، فإن الأسئلة تتسع لتشمل فلسفة الإخراج، ودور الأستاذ في تكوين الأجيال، وحدود التجريب، وأثر الثقافة السينمائية والفلسفية في بناء الصورة المسرحية.
وهنا تكمن متعة الحوار؛ فهو لا يكتفي باستعادة سيرة فنان، بل يدفعنا إلى التساؤل عن أثره، وعن الأفكار التي تركها في تلامذته ومعاصريه، وعن مدى حضور تلك الأفكار في المسرح العراقي المعاصر.
من المنفى… يظل المسرح وطنًا
وتكتسب هذه المناقشة دلالة إنسانية إضافية حين نتذكر أن فنانين عراقيين مهمين يواصلان حوارهما وإنتاجهما الفكري بعيدًا عن وطنهما. فالغربة قد تبعد الفنان عن خشبة المسرح التي عرفها، لكنها لا تستطيع أن تنتزع منه ذاكرته أو تلغي الأسئلة التي حملها معه.
إن الفنان العراقي الذي يعيش خارج وطنه يظل، في كثير من الأحيان، مشدودًا إلى ذلك المخزون الجمالي والثقافي الذي تشكّل في بغداد ومدن العراق الأخرى؛ إلى القاعات التي شهدت بداياته، وإلى الأساتذة الذين فتحوا أمامه أبواب المعرفة، وإلى العروض التي أسهمت في تشكيل ذائقته.
ولذلك فإن الحوار حول حميد محمد جواد ليس استعادة لاسم غائب فحسب، بل هو استعادة لجزء من الذاكرة الإبداعية العراقية، ومحاولة لإبقاء الصلة حيّة بين الأجيال، حتى حين تتباعد بهم المنافي.
تحية إلى الحوار وإلى المسرح الذي لا يشيخ
أنا سعيد جدًا بهذا الاشتباك الفكري بين الدكتور فاضل السوداني والفنان المسرحي العالمي سمير عبد الحبار؛ سعيد لأنهما يعيدان تجربة حميد محمد جواد إلى فضاء النقاش، ولأن الحوار يذكّرنا بأن المسرح العراقي الطليعي لم يكن يومًا مجرد عروض عابرة، بل مشروعًا من الأسئلة والتجارب والمغامرات الجمالية.
إن قيمة هذا الحوار لا تتوقف عند ما يقوله كل فنان عن الآخر أو عن تجربة المخرج، بل تمتد إلى ما يثيره فينا نحن المتلقين من رغبة في العودة إلى تاريخنا المسرحي، وقراءة تجاربه قراءة نقدية جديدة، بعيدًا عن التقديس الذي يعطّل المعرفة، أو النسيان الذي يبدد الذاكرة.
تحية إلى فاضل السوداني وسمير عبد الحبار، وهما يفتحان نافذة للنقاش حول حميد محمد جواد، وتحية إلى هذا المخرج العراقي الذي يستحق أن تظل تجربته حاضرة في ذاكرة المسرح، لا باعتبارها صفحة أُغلقت، بل باعتبارها سؤالًا مفتوحًا أمام الأجيال الجديدة. فحين يختلف المسرحيون حول تجربة فنية، فإنهم يمنحونها حياة أخرى. وحين يعود حميد محمد جواد إلى طاولة الحوار، يعود معه جزء من روح المسرح العراقي الطليعي، بما حمله من جرأة في التفكير، وشغف بالتجريب، وإيمان بأن الفن لا يتقدم إلا حين يمتلك شجاعة السؤال.