
ليست الذاكرة الفنية العراقية مجرد سجل للأعمال التي عرضتها الشاشة الصغيرة أو الأسماء التي تصدرت شارات المسلسلات. إنها حكاية أجيال بدأت خطواتها الأولى بإمكانات محدودة وواصلت طريقها بالصبر والتجربة والإصرار. وفي هذه الذاكرة تتجاور حكايات الفنانين الذين صنعتهم خشبة المسرح مع أولئك الذين احتضنتهم الإذاعة العراقية وأولئك الذين وجدوا في التلفزيون نافذة يطلون منها على الناس ويشاركونهم تفاصيل حياتهم وأفراحهم وأحزانهم.
ومن بين الوجوه التي حفرت حضورها في الدراما العراقية الفنان وليد العبوسي الذي ارتبط اسمه بعدد من الأعمال التلفزيونية التي عرفه الجمهور من خلالها. ولم تكن رحلته الفنية طريقاً مستقيماً خالياً من الانقطاعات والتحولات. فقد بدأت الحكاية في سبعينيات القرن الماضي حين كان طالباً في المرحلة المتوسطة قبل أن تقوده المصادفة إلى تجربة التمثيل ثم تتسع علاقته بالفن عبر مراكز الشباب والإذاعة والمسرح والتلفزيون.
في هذا اللقاء نستعيد معه محطات من رحلته ونفتح صفحات من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون، ونتوقف عند بداياته وأبرز أعماله ورؤيته لمهنة التمثيل وما يطمح إليه الفنان العراقي في زمن تتغير فيه ظروف الإنتاج وتزداد فيه الحاجة إلى دعم الدراما الوطنية.
بطاقة شخصية وبدايات مبكرة
* أهلاً وسهلاً بك فناننا العزيز في هذا اللقاء الذي نخصصه لاستعادة محطات من مسيرتك الفنية.
ــ أهلاً وسهلاً بكم وبجريدتكم واهتمامكم بالفنانين العراقيين. ويسعدني أن أستعيد معكم بعض الذكريات التي ارتبطت ببداياتي وبالأعمال التي قدمتها خلال سنوات طويلة من العمل الفني.
* لنبدأ من البطاقة الشخصية. من هو وليد العبوسي بعيداً عن الشخصيات التي قدمها على الشاشة؟
ــ اسمي وليد سعيد عباس والاسم الفني الذي يعرفني به الجمهور هو وليد العبوسي. ولدت عام 1955 وأنا متزوج. بدأت حياتي موظفاً في وزارة الزراعة ثم أحلت على التقاعد. أما علاقتي بالفن فقد بدأت عام 1972 عندما كنت طالباً في المرحلة المتوسطة. وكانت انطلاقتي من خلال عمل تلفزيوني بعنوان رحلة ماجلان اختارني للمشاركة فيه الفنان الراحل وجيه عبد الغني.
لم تكن لدي في ذلك الوقت معرفة حقيقية بتفاصيل العمل الفني ولم أكن أخطط لأن أصبح ممثلا. لكن التجربة الأولى تركت في نفسي أثراً كبيراً وفتحت أمامي باباً جديداً لم أكن أتوقع أن يستمر معي كل هذه السنوات. ومنذ ذلك الوقت بدأت أشعر بأن الفن عالم يستحق الاقتراب منه والتعلم من تجاربه ورجاله.
مراكز الشباب مدرسة المواهب الأولى
* ما الذي جذبك إلى التمثيل بعد تلك التجربة الأولى؟
ــ أحببت الوسط الفني وبدأت أبحث عن الفرص التي تساعدني على تطوير موهبتي. وكانت مراكز الشباب من أهم المحطات التي احتضنت بداياتي. وقد وجدت في مركز شباب الإسكان مساحة مناسبة لممارسة النشاط الفني والتعرف إلى أجواء المسرح والعمل الجماعي.
ولا يمكن الحديث عن تلك المرحلة من دون الإشارة إلى الدور الذي أدته مراكز الشباب في احتضان مواهب كثيرة. فقد كانت مكاناً للتدريب والتجربة والتعارف وكانت تمنح الشباب فرصة لاكتشاف قدراتهم بعيداً عن التعقيدات التي قد تواجه المبتدئ في أماكن أخرى.
ومن الأسماء التي أتذكرها من تلك البيئة الفنية عبد الرزاق حيدر وحسين التكمجي وعادل عبد الكريم وسعد بدر. وقد كانت تلك المرحلة مهمة في تكوين شخصيتي الفنية لأنها علمتني أن الموهبة تحتاج إلى ممارسة مستمرة وأن الفنان لا يستطيع أن يتقدم إذا اكتفى بما يمتلكه من استعداد أولي.. عملت أيضاً مدرباً لإحدى الفرق النسوية في مركز شباب الإسكان. وكانت تجربة أضافت إلى خبرتي معرفة بأهمية التدريب والعمل مع الآخرين. ولم أكمل دراستي الأكاديمية بسبب ظروف خاصة لكنني واصلت التعلم من خلال التجربة والمشاهدة والعمل مع الفنانين.
الموهبة والدراسة الأكاديمية
* هل تعتقد أن غياب الدراسة الأكاديمية يمكن أن يقف عائقاً أمام الفنان؟
ــ إن الدراسة الأكاديمية مهمة لأنها تمنح الفنان معرفة منظمة بأساليب الأداء وأدواته. لكن التجربة العملية أيضاً لها دورها في صقل الموهبة. وأنا لا أرى أن الطريق إلى الفن يقتصر على باب واحد. فهناك من يتخرج في المعاهد الفنية وهناك من يبدأ من مراكز الشباب أو من أدوار صغيرة ثم يكتسب الخبرة بالتدريج.. المهم أن يكون لدى الفنان الاستعداد للتعلم وأن يحترم المهنة التي اختارها. فالفن مسؤولية وليس مجرد ظهور أمام الكاميرا.
الإذاعة العراقية مدرسة الصوت والأداء
* أخذتنا إلى التلفزيون في بداياتك. ماذا عن علاقتك بالإذاعة العراقية التي كانت تمثل مدرسة مهمة للفنانين؟
ــ كانت الإذاعة بالنسبة إلي تجربة مهمة في تكوين أدواتي الفنية. فالممثل الذي يعمل أمام الميكروفون يتعلم كيف يمنح الكلمات حياة وكيف يجعل المستمع يتفاعل مع الحدث من دون الاستعانة بالصورة. وهذه خبرة تبقى مفيدة حتى عندما ينتقل إلى التلفزيون.
سنوات الانقطاع والعودة إلى الشاشة
* مرت بك ظروف قاسية وأنت في مقتبل تجربتك الفنية. كيف انعكست تلك السنوات على مسيرتك؟
ــ انقطعت عن العمل الفني بعد التحاقي بالجيش ثم عدت من الأسر عام 1990. وكانت تلك مرحلة صعبة احتاجت مني إلى إعادة ترتيب حياتي والبحث عن الاستقرار. ولم يكن العمل الفني في ذلك الوقت كافياً لتلبية متطلبات الحياة اليومية ولذلك ابتعدت عنه فترة طويلة. لكن الابتعاد عن العمل لا يعني بالضرورة الابتعاد عن الفن من الداخل. فقد بقيت علاقتي به قائمة وظلت لدي رغبة في العودة إلى التمثيل عندما تسمح الظروف بذلك.
وفي عام 2004 عدت إلى العمل الفني وبدأت مرحلة جديدة من حياتي. وكانت العودة مختلفة عن البدايات الأولى لأنني أصبحت أكثر إدراكاً لطبيعة المهنة ولما تحتاج إليه من صبر والتزام.
نوري السعيد أول أدوار العودة
* ما الشخصية التي شكلت علامة بارزة في عودتك الفنية؟
ــ كان أول دور قمت بتمثيله عند عودتي شخصية نوري السعيد في الجزء الثالث من مسلسل «مناوي باشا». وكانت تجربة مهمة بالنسبة إلي لأنها أعادتني إلى الشاشة بعد انقطاع طويل ووضعتني أمام مسؤولية تجسيد شخصية تاريخية معروفة في الذاكرة العراقية.
إن تقديم شخصية معروفة يحتاج إلى انتباه كبير إلى تفاصيلها وطبيعة حضورها في الأحداث. فالمشاهد لديه صورة سابقة عن الشخصية التي يعرفها من التاريخ أو من الروايات المتداولة عنها، ولذلك يتوقع من الممثل أن يقدم أداءً مقنعاً ينسجم مع سياق العمل.. وبعد تلك التجربة توالت مشاركاتي في أعمال تلفزيونية وإذاعية ومسرحية وسينمائية. وقد شاركت في أعمال ارتبطت بمهرجان بغداد عاصمة الثقافة العربية عام 2013. ومع تنوع التجارب بقي التلفزيون الأقرب إلى نفسي لأنه منحني فرصة الوصول إلى جمهور واسع.
غربة وطن والشخصية الأقرب إلى الناس
* يربط كثير من المشاهدين اسمك بمسلسل «غربة وطن». ماذا أضافت إليك هذه التجربة؟
ــ أعد مسلسل غربة وطن من الأعمال المهمة في مسيرتي. وقد جسدت فيه شخصية أسطة عبد البنّا وهي شخصية أحببتها لما تحمله من طابع إنساني.
أميل إلى الأدوار التي تتيح للممثل أن يقترب من الناس وأن يقدم شخصيات تشبههم في حياتهم اليومية. فالشخصية لا تحتاج دائماً إلى أن تكون بطلة الأحداث حتى تترك أثراً في المشاهد. وقد تكون شخصية بسيطة لكنها صادقة وقريبة من الواقع فتظل عالقة في الذاكرة.
تنوع الأدوار وتعدد التجارب
* شاركت كذلك في أعمال متعددة مثل أوان الحب وسامكو. كيف تنظر إلى هذا التنوع في تجاربك؟
ــ لكل عمل طبيعته ولكل شخصية متطلباتها. وقد شاركت في أعمال مختلفة من بينها أوان الحب وسامكو وغيرها من المسلسلات التي تنتمي إلى مراحل متعددة من الدراما العراقية.
إن تنوع الأدوار يمنح الممثل فرصة لتجديد أدواته وعدم الوقوف عند نمط واحد من الشخصيات. فالممثل مطالب بأن يفهم طبيعة الشخصية التي يؤديها وأن يتعامل مع ظروفها ودوافعها وعلاقاتها مع بقية الشخصيات.
الفنان ليس أكبر من الدور
* نلاحظ أن مشاركاتك توزعت بين المسلسلات والإعلانات وأدوار مختلفة المساحة. أين تجد نفسك بين هذه الأعمال؟
ــ أؤمن بأن الفنان ملك للناس جميعاً وليس ملكاً لنفسه. والتواضع يرفع من شأن الفنان ويجعله أكثر قرباً من جمهوره. لذلك لا أرى مانعاً من قبول عمل قريب من الناس حتى لو كانت مساحة الدور صغيرة.
الجمهور سند الفنان الحقيقي
* وماذا يعني لك المشاهد العراقي الذي يتابع أعمالك؟
ــ المشاهد هو مكسب الفنان وسنده وهو أساس النجاح الذي يسعى إليه. ومن خلاله يكتسب الفنان قيمته المعنوية ويحصل على التقدير الذي يحتاج إليه كل مبدع.
الإسفاف لا يمثل الفن العراقي
* تحدثت في مناسبات سابقة عن بعض الظواهر التي لا تجدها مناسبة للعمل الفني. ما الذي يقلقك في هذا الجانب؟
ــ ما لا يعجبني هو دخول بعض الوجوه إلى العمل الفني من دون امتلاك المقومات التي تساعدها على تقديم عمل جاد. وأنا لا أقصد بذلك ضرورة الحصول على شهادة أكاديمية فحسب بل أقصد احترام الفن والابتعاد عن الأعمال الهابطة التي تقوم على الإسفاف والسخرية والكلمات البذيئة.
فرص الفنان العراقي وتحديات الدراما
* كيف تنظر إلى واقع الدراما العراقية والفرص المتاحة أمام الفنانين؟
ــ لقد عبّرت عن قلقي من محدودية الفرص المتاحة أمام عدد من الفنانين العراقيين ومن تكرار الأسماء نفسها في أعمال كثيرة مقابل غياب أسماء أخرى تمتلك خبرة وتجربة. وأنا أرى أن الفنان يحتاج إلى فرصة عادلة كي يقدم ما لديه من إمكانات.
فيلم الشهيد الصدر وتجربة سينمائية مختلفة
* إلى جانب أعمالك التلفزيونية خضت تجربة سينمائية في فيلم الشهيد الصدر. حدثنا عن هذه المشاركة.
ــ الفيلم من تأليف وإخراج عبد العليم طاهر، ويتناول سيرة حياة السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر منذ ولادته حتى وفاته. وقد جسدت فيه شخصية الشيخ العسكري الذي يمثل شخصية مهمة في مسار الأحداث.
وشاركني في الفيلم عدد من الفنانين منهم محسن الجيلاوي وعبد الستار الربيعي وعلي الشجيري إلى جانب مجموعة من الفنانين الآخرين. وكان العمل من إنتاج قناة دجلة الفضائية وقد عرض في مهرجان أقيم في مدينة الناصرية عام 2016.
وسام الإبداع والتميز عام 2016
* حصلت على وسام الإبداع والتميز عام 2016. ماذا يعني لك التكريم بعد سنوات من العمل الفني؟
ــ كل فنان يقدم عملاً إبداعياً يتمنى أن يجد من يتابعه ويقدره. وقد كان تكريمي بوسام الإبداع والتميز من رابطة المبدعين العراقيين للفنون الجميلة برئاسة الموسيقي كريم ديوان عن أعمالي الفنية التي قدمتها خلال عام 2015. كنت في إيران آنذاك لتصوير مشاهدي في مسلسل بستان شهر رمضان، ولذلك تسلم الأستاذ كريم ديوان التكريم نيابة عني. وبعد عودتي أقام معهد الدراسات النغمية الموسيقية حفلاً خاصاً لتكريمي بحضور عدد من الفنانين وكان الأستاذ كريم ديوان هو من قلدني الوسام. كما سبق أن حصلت على درع الإبداع عام 2012 وعلى شهادات تقديرية أخرى من مؤسسات ثقافية وفنية مختلفة.
إن التكريم يمنح الفنان شعوراً بأن جهده لم يذهب سدى وأن هناك من يتابع أعماله ويقدر ما يقدمه. لكنه في الوقت نفسه مسؤولية تدفعه إلى الاستمرار في العمل والمحافظة على احترام الجمهور والمهنة.