رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين يكون للقبعة الأكاديمية لون سياسي


المشاهدات 1043
تاريخ الإضافة 2026/10/12 - 11:44 PM
آخر تحديث 2026/10/13 - 1:07 AM

ثمة مشهدٌ عراقيٌّ يستحق أن نتأمله طويلًا، لا لأن فيه ما يبعث على الفرح، بل لأن وراء الفرح سؤالًا ثقيلًا لا يجد مَن يجيب عنه.
في كل عام، حين تفتح بعض الجامعات الأمريكية في العراق أبوابها لتخرّج دفعاتها، تتبدّل فجأةً أجندةُ بعض المسؤولين، وتُفسَح في دفاتر المواعيد مساحةٌ واسعة لحفل التخرّج، وتُشحذ الكاميرات، وتُرتَّب المقاعد، وتُلتقط الصور، وتفيض عبارات التهنئة الرسمية على الخريجين. وهذا، في ذاته، ليس عيبًا.
فالخريج يستحق التهنئة، والجامعة تستحق الاحتفاء، والعلم لا جنسية له، ولا ينبغي لأحد أن يعترض على أن يشارك المسؤولون أبناء العراق أفراحهم العلمية أينما تخرّجوا.
لكن السؤال الذي يفسد علينا اكتمال الصورة هو: أين كان هؤلاء المسؤولون حين كان الخريج نفسه يرتدي عباءته الأكاديمية في جامعة عراقية؟.
أين كانت مواكب السيارات الرسمية حين كان ابن جامعة بغداد، أو المستنصرية، أو البصرة، أو الموصل، أو الكوفة، أو تكريت، أو الأنبار، أو ذي قار، أو القادسية، أو واسط، أو ديالى، أو كربلاء، أو بابل، يقف على منصة التخرج حاملاً شهادةً عراقية، ووراءه سنواتٌ من الدراسة والسهر والامتحانات والبحث العلمي؟.
أين كانت المقاعد الأمامية؟، أين كانت عدسات التصوير؟، أين كانت الخطب الرنانة عن «بناة المستقبل»؟، وأين كانت تلك الرغبة العارمة في مشاركة الشباب فرحتهم؟.
لقد شهدت الجامعة الأمريكية في بغداد في أيار/مايو 2026 حفل تخرّج حضره كبار المسؤولين إلى جانب وزراء وشخصيات عامة ودبلوماسية. وفي دهوك، شهد حفل تخرّج الجامعة الأمريكية في كردستان في أيلول/سبتمبر 2026 حضور رئيس إقليم كردستان ورئيس حكومته وشخصيات سياسية أخرى. جميل، لكن ماذا عن الجامعات العراقية؟، هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا، لأن الدولة التي تملأ مقاعد الشرف في احتفالات جامعاتها الأجنبية أو ذات الطابع الدولي، ينبغي ألا تتعامل مع جامعاتها الوطنية وكأنها مبانٍ حكومية تؤدي وظيفةً بيروقراطية فحسب.
الجامعة العراقية ليست درجةً ثانية من الاحتفال، والطالب العراقي الذي يتخرج منها ليس أقلَّ عراقيةً، ولا أقلَّ استحقاقًا للتكريم، ولا أقلَّ جدارةً بأن يراه مسؤولٌ في دولته وهو يعبر العتبة الأولى نحو الحياة.
بل إن المفارقة أكثر إيلامًا حين يكون المسؤول نفسه قد جاء من مؤسسات التعليم العراقية، ثم يعود إليها في المناسبات الرسمية بصفته مسؤولًا، لا بصفته ابنًا سابقًا لهذه الجامعات.
ليست المشكلة في الجامعة الأمريكية، ولا في التعليم الأمريكي، ولا في الطلبة الذين اختاروا الدراسة فيها. هؤلاء أبناؤنا، ونجاحهم نجاح للعراق، وكل خريج يستحق أن يُحتفى به، المشكلة في ازدواجية المعايير الرمزية، حين يكون حضور المسؤول إلى حفل تخرّج جامعة عراقية نادرًا أو محدودًا، بينما يتحول حضوره إلى الجامعة الأمريكية إلى مناسبة تستقطب هذا العدد من الشخصيات العامة، فمن حق المواطن أن يسأل: ما الذي يجعل هذه الشهادة أكثر قدرة على استدعاء المسؤول من تلك؟.
هل صارت قيمة الطالب تُقاس باسم الجامعة التي تخرّج فيها؟
هل صار للمكان بريقٌ يجعل المسؤول يرى الطالب بوضوح أكبر؟
أم أن بعض المسؤولين لا يزالون، في أعماق الوعي الرسمي، ينظرون إلى كل ما يحمل اسمًا أجنبيًا بوصفه أكثر أناقةً وهيبةً من كل ما يحمل اسم العراق؟، إن كان الأمر كذلك، فهذه ليست أزمة جامعات، بل أزمة نظرة إلى الذات، فالجامعة العراقية التي خرجت أجيال الأطباء والمهندسين والأساتذة والقضاة والعلماء والمبدعين، والتي ما زالت تضم آلاف الطلبة والباحثين والأساتذة، لا تحتاج إلى صدقةٍ بروتوكولية من أحد؛ لكنها تحتاج إلى أن تشعر الدولة بأنها تراها.
تحتاج إلى مسؤول يدخل قاعتها لا ليضع صورته في مقدمة المشهد، بل ليقول لطلابها: نحن نراكم.
تحتاج إلى وزير يقف بين أبنائها، لا ليكرر عبارات محفوظة عن «المستقبل»، وإنما ليصغي إلى أسئلتهم عن المختبر، والبحث العلمي، والتعيين، والمنحة، والمكتبة، والسكن، وفرص العمل.
تحتاج إلى نائبٍ يتذكر أن الجامعة التي تخرّج منها ليست خلفيةً لصورةٍ انتخابية، بل مؤسسةٌ أنتجت علمه وعلم أجيالٍ قبله.
أما أن يتذكر المسؤول الجامعات العراقية حين يريد الحديث عن التعليم، ثم يتذكر جامعات أخرى حين يريد الاحتفال به، فهذه مفارقة لا تحتاج إلى لجنة تحقيق؛ تحتاج فقط إلى قليل من الصراحة.
وليس عادلًا أن يكون للطالب العراقي احتفالان مختلفان بحسب عنوان الجامعة: احتفالٌ تزدحم فيه الشخصيات حين يكون اسم المؤسسة أمريكيًا، واحتفالٌ يبحث فيه الخريج عن مسؤولٍ واحدٍ بين المقاعد حين تكون المؤسسة عراقية.
العلم واحد، والطالب عراقي، والفرحة واحدة، أما إذا كان الفرق في اسم الجامعة، فالسؤال ليس عن الطالب هذه المرة، وإنما عن عين المسؤول: ماذا ترى حين تنظر إلى الجامعة؟، ربما آن الأوان أن نعيد ترتيب المقاعد، لا في قاعة الاحتفال فحسب، بل في الوعي أيضًا، ففي العراق، ليس أغرب من أن يذهب بعض المسؤولين بعيدًا ليحتفلوا بالعلم، بينما يكون العلم العراقي جالسًا في الجامعة القريبة منهم… ينتظر أن يلتفتوا إليه.


تابعنا على
تصميم وتطوير