
يواجه الاقتصاد العراقي تحديات مالية متزايدة تفرض إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام، ولا سيما في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وما يترتب على تقلباتها من آثار مباشرة في قدرة الدولة على تمويل نفقاتها والتزاماتها المالية، وقد أصبحت مستحقات الفلاحين والمقاولين، إلى جانب متطلبات الخدمات العامة والمشروعات الاستثمارية، من الملفات التي تستدعي معالجة جادة تضمن استمرار النشاط الاقتصادي وتحافظ على حقوق المستفيدين، وفي خضم هذه الظروف يبرز التساؤل بشأن جدوى التوسع في المناصب العليا، ومن ذلك استحداث أربعة مناصب لنواب رئيس مجلس الوزراء، وما يرتبط بها من رواتب ومخصصات ونفقات للمكاتب والملاكات الإدارية والحمايات والمستلزمات التشغيلية. فهذه النفقات، وإن بدت منفردة محدودة قياساً بالموازنة العامة، فإن تراكمها يستوجب تقديراً موضوعياً، خصوصاً عندما تواجه الدولة ضغوطاً مالية تستدعي ترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في وجود المناصب العليا بحد ذاته، ولا في إنكار الحاجة إليها داخل الجهاز التنفيذي، وإنما في مدى استناد التوسع فيها إلى ضرورة إدارية حقيقية، وفيما إذا كانت المنافع المتحققة منها تتناسب مع كلفتها المالية، فالمناصب العامة ليست استحقاقات سياسية مجردة، بل مواقع وظيفية ينبغي أن ترتبط بمهام محددة واختصاصات واضحة ومردود ملموس في تحسين الأداء الحكومي. ومن المنظور الاقتصادي، فإن تأخير مستحقات المقاولين لا يقتصر أثره على الشركات المتعاقدة مع الدولة، بل يمتد إلى العاملين فيها والمجهزين والمقاولين الثانويين، وقد يؤدي إلى تعثر المشروعات وارتفاع كلف إنجازها وتراجع فرص العمل، كما أن تأخير مستحقات الفلاحين يمس قدرة هذا القطاع على تمويل مواسم زراعية لاحقة، وشراء مستلزمات الإنتاج، والاستمرار في توفير المحاصيل المحلية. وبذلك، فإن تسوية هذه المستحقات لا تمثل مجرد عبء على الخزينة، بل يمكن أن تكون أداة لتحريك النشاط الاقتصادي وتعزيز الإنتاج الوطني والأمن الغذائي.
أما من الناحية القانونية، فإن إدارة المال العام تقتضي مراعاة المشروعية والتخصيص المالي والكفاءة في الإنفاق، فضلاً عن الالتزام بالحقوق المالية الناشئة عن العقود والالتزامات القانونية المستحقة، ولا يكفي لتبرير أي نفقة أن تكون مدرة ضمن التخصيصات أو ممكنة التمويل، بل تظل الحاجة إلى تقييم ضرورتها وجدواها كجزءاً أساسياً من مقتضيات الإدارة الرشيدة والمساءلة عن استخدام الموارد العامة،
وان افتراض هناك التزام مال اخر مخصص للمناصب العليا، يضع الدولة موضع المقارنة في أهمية جدوى تلك التصرفات المشروعة من حيث المبدأ، لأنها تضع صانع القرار أمام سؤال جوهري: أي الأولويات أحق بالتقديم عندما تكون الموارد محدودة والالتزامات متزايدة؟ لا شك ان التوافق السياسي مهما كانت مبرراته، ينبغي ألا ينفصل عن الاعتبارات الاقتصادية ومقتضيات المصلحة العامة، فاستقرار الدولة لا يتحقق بمجرد توزيع المناصب، وإنما بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وتعزيز ثقة الشعب بمؤسساتها، وتوفير بيئة مستقرة للإنتاج، كما أن الإصلاح المالي لا يبدأ فقط بزيادة الإيرادات، بل يشمل مراجعة النفقات، والحد من الإنفاق غير الضروري، وترتيب الأولويات على أساس المنفعة العامة. وخلاصة القول، إن الأزمة الاقتصادية تفرض على الدولة أن توازن بين متطلبات إدارة السلطة وضرورات إدارة الاقتصاد، فقبل التوسع في المناصب وما تستلزمه من نفقات مستمرة، ينبغي التحقق من ضرورتها وجدواها، وتقديم الالتزامات المالية التي تمس حقوق المواطنين واستمرار الإنتاج والخدمات، فالمصلحة العامة لا تُقاس بعدد المناصب التي تُمنح، وإنما بقدرة الدولة على توظيف مواردها المحدودة في المواضع التي تحقق أكبر منفعة اقتصادية واجتماعية.