رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
تخرجت.. وماذا بعد ؟ حين تتحول الشهادة من بداية الطريق إلى بداية الانتظار


المشاهدات 1042
تاريخ الإضافة 2026/10/12 - 11:45 PM
آخر تحديث 2026/10/13 - 1:07 AM

كان يوم التخرج بالنسبة إلى كثير من العائلات العراقية حصاد سنوات طويلة من التعب. سنوات من الدراسة والامتحانات والمصاريف التي تحملتها الأسرة وهي تنتظر لحظة يرى فيها الأب أو الأم ابنهما يحمل شهادة التخرج. تُلتقط الصور وتعلو التهاني وتبدأ الأحلام، لكن بعد انتهاء مراسم التخرج يبدأ سؤال آخر لا يظهر في الصور: ماذا بعد؟
يخرج الشاب من الجامعة وهو يعتقد أن المرحلة الأصعب قد انتهت، ثم يكتشف أن هناك مرحلة أخرى قد تكون أكثر صعوبة: البحث عن فرصة. يقدم هنا ويسأل هناك ويتابع إعلانات التعيين ويدخل الاستمارات الإلكترونية ويجمع الوثائق ثم ينتظر. يمر شهر ثم عام وربما أعوام، ومع مرور الوقت تتحول فرحة الشهادة إلى قلق ويتحول القلق إلى انتظار حتى يصبح الانتظار جزءًا من حياة الخريج.
لكن هل المشكلة في كثرة الخريجين وقلة الوظائف فقط؟ ربما لا. فالعراق يمتلك طاقات شبابية وعلمية كبيرة، بين أوائل الخريجين وحملة الشهادات العليا والكفاءات العلمية وخريجين مضت سنوات على تخرجهم، فضلًا عن شرائح أخرى تنتظر حلولًا تتناسب مع ظروفها واستحقاقاتها. المشكلة تبدأ عندما لا يكون هناك طريق واضح بعد الجامعة. فإذا لم يحصل الخريج على وظيفة حكومية فأين يذهب؟ وإذا كان القطاع الخاص غير قادر على استيعاب الأعداد الموجودة فكيف يمكن توسيع فرص العمل فيه؟ وإذا كان بعض التخصصات لا تتوافق مع احتياجات السوق فهل توجد برامج حقيقية لإعادة التأهيل؟
هنا تتحول قضية الخريج من مشكلة فردية إلى قضية دولة. لأن طريقة تعامل الدولة مع خريجيها اليوم ستحدد شكل سوق العمل في السنوات المقبلة. ولعل السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت الوظيفة الحكومية بالنسبة إلى كثير من الشباب الطريق الأقرب إلى الاستقرار؟ الأسباب متعددة، فالوظيفة الحكومية توفر قدرًا من الأمان، بينما ما زال القطاع الخاص بحاجة إلى مزيد من التطور والقدرة على توفير فرص مستدامة، كما أن العلاقة بين التعليم وسوق العمل ما زالت بحاجة إلى مراجعة حقيقية.
ولهذا يجب أن ننتقل من معالجة أزمة التعيين كل عام إلى بناء رؤية تمتد لسنوات. فالطالب الذي سيتخرج بعد خمس سنوات يجلس اليوم في قاعة دراسية، ومن يدخل الجامعة غدًا سيكون بعد سنوات جزءًا من سوق العمل. لا يمكن أن ننتظر حتى يتخرج الشاب ثم نسأل عن مستقبله.
وهنا يأتي دور مؤسسات الدولة المعنية، وفي مقدمتها مجلس الخدمة العامة الاتحادي. المطلوب من المجلس ليس أن يعد بتوظيف الجميع، فهذا أمر غير واقعي، وإنما أن تكون لديه رؤية واضحة لما يمكن فعله. ما احتياجات مؤسسات الدولة؟ وما حجم الملاكات المطلوبة؟ وما التخصصات التي تحتاجها الدولة؟ وكيف يمكن التعامل مع الخريجين الذين لا يجدون فرصة في تخصصاتهم؟ وإذا كانت لدى المجلس دراسات أو مقترحات في هذا المجال فمن حق المجتمع أن يعرفها. فالشفافية هنا ليست مجرد نشر معلومات، بل جزء من صناعة الحل.
نحن بحاجة إلى أن تتحول قضية الخريجين من موسم احتجاج وانتظار إلى ملف وطني تتم دراسته بصورة مستمرة، من خلال تعاون الحكومة والجامعات والخبراء والقطاع الخاص، والاستناد إلى بيانات دقيقة وبرامج لإعادة التأهيل وفتح مسارات جديدة للعمل.
الخريج ليس رقمًا في استمارة، وليس اسمًا في قائمة انتظار. وراء كل شهادة سنوات من الجهد، ووراء كل شاب ينتظر فرصة عائلة وأحلام ومسؤوليات. لكن مستقبله لا ينبغي أن يبقى معلقًا بالكامل على درجة وظيفية حكومية.
هذه ليست قضية الغد، إنها قضية اليوم. لأن الخريج الذي سيطرق باب الدولة بعد خمس سنوات يستعد لهذا اليوم الآن.
في الحلقة الثانية: 100 ألف درجة.. ومن بعدهم؟
قد تكون مئة ألف فرصة عمل بابًا للأمل، لكن هل تستطيع أن تعالج مشكلة تتجدد كل عام؟ وماذا سنفعل عندما تنتهي هذه الدرجات وتأتي دفعة جديدة من الخريجين؟
 


تابعنا على
تصميم وتطوير