رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
التفاوض في الظل: مسار دبلوماسي هش وتصعيد عسكري محتمل


المشاهدات 1049
تاريخ الإضافة 2026/10/12 - 11:45 PM
آخر تحديث 2026/10/13 - 1:07 AM

يقوم المشهد الراهن بين طهران وواشنطن على مسارين يسيران في الوقت نفسه: تفاوض دبلوماسي لم ينقطع، وتحضير عسكري لم يتوقف. ولا يعني وجود المسارين معاً أن أحدهما يمهّد للآخر بالضرورة. فالحوار قد يكون وسيلة لاحتواء الأزمة، وقد يكون في الوقت نفسه أداة لرفع كلفة الخصم في طاولة التفاوض، وهذا ما يجعل قراءة التحركات أصعب من ظاهرها.
ينطلق التحليل من موقف حذر. فالتجربة القريبة، ولا سيما الحربان القصيرتان الأخيرتان، تُظهر أن الرسائل المتفائلة يمكن أن تتبدد بسرعة أمام الوقائع الميدانية. ويضاف إلى ذلك عمق الخلافات، والتراكم الكبير في انعدام الثقة بين الطرفين، واختلاف أولوياتهما، إضافة إلى الدور الإسرائيلي الذي يتداخل مع الحسابات الأميركية والإيرانية. كل هذه العوامل تحدّ من إمكان الوصول إلى تسوية مستقرة. ومن هنا يخلص التحليل إلى أن أي إشارة إيجابية، مهما بدت لافتة، لا تكفي للحكم بانفراج، ما لم تتحول إلى اتفاق واضح، وآلية تنفيذ يمكن الوثوق بها، وتغيّر فعلي في سلوك الطرفين على الأرض.
موقف طهران: تفاوض مشروط بالدفاع عن المصالح
تقدّم القيادة الإيرانية نفسها طرفاً مستعداً للتفاوض، لكنه يربط ذلك بالحفاظ على حقوقه والدفاع عن مصالحه. وتشير التصريحات الرسمية إلى أن طهران قدّمت شروطها وتعديلاتها على المقترحات الأميركية، ونقلتها إلى وسطاء، مع التأكيد على أن قراراتها تخضع لمراجع عليا لا يمكن تجاوزها بسهولة. ويتركز الخلاف الأساسي، بحسب ما يُنقل من الجانبين، على ترتيب الخطوات لا على الأهداف نفسها: فإيران ترى أن أي انفتاح في مضيق هرمز ينبغي أن يكون مرتبطاً بتنفيذ شروط محددة وضمانات واضحة، بينما يُنقل عن الطرف الآخر تصور مختلف يبدأ بالمضيق ثم ينتقل إلى بقية الملفات تدريجياً. وفي الوقت نفسه، تؤكد طهران أن الانخراط في المفاوضات لا يعني التخلي عن المقاومة أو القبول بالإملاءات، بل هو جزء من استراتيجية تستخدم الميدان والدبلوماسية معاً.
موقف واشنطن: الملف النووي في قلب الخلاف
تشير التقارير إلى أن الملف النووي أصبح محور الخلاف الأساسي، إذ تطالب واشنطن بوقف تطوير القدرات النووية الإيرانية بوصفه شرطاً أساسياً للتقدم. أما الملف المرتبط بمضيق هرمز، فيبدو في الخطاب الأميركي أقل إلحاحاً مما كان عليه في مراحل سابقة، وهو ما يعقّد إمكان الوصول إلى صيغة تربط بين الطرفين.
الرئيس الأميركي من جهته يتحدث بلغة مزدوجة. فهو يؤكد استمرار المحادثات، ويعلن رغبته في تجنب تصعيد جديد قبل الانتخابات النصفية للكونغرس، ويقول إن بلاده لن تسمح بحصول إيران على سلاح نووي. لكن في المقابل، تُظهر التحركات العسكرية استعداداً فعلياً لخيارات أوسع إذا تغيّر موقفه أو تعثّرت المفاوضات. وهذا التباين بين التصريح والتحضير هو ما يجعل كثيرين في المنطقة يتعاملون مع أي إعلان أميركي بحذر شديد.
الدور الروسي: استعداد للوساطة لا قناة مؤكدة تبرز موسكو كطرف يبدي استعداده للمساهمة في خفض التوتر، ويؤكد مسؤولوها أن الخيار الدبلوماسي لم يُستنفد بعد، وأن الاتفاق ممكن إذا توفرت الإرادة. غير أن المعلومات المتاحة لا تكشف عن مبادرة روسية محددة أو عن مضمون لأي تفاهم محتمل. كما أن الكرملين نفى أن يكون الرئيس الإيراني قد نقل رسالة إلى نظيره الأميركي عبر الرئيس بوتين، وهو ما يعني أن الاستعداد للوساطة شيء، ووجود قناة فعلية وموثوقة لنقل المواقف شيء آخر. ويضاف إلى ذلك أن الملف الأوكراني كان المحور الرئيسي لاتصال بوتين وترامب، ما يحدّ من الوزن الذي يمكن أن تكتسبه الوساطة الروسية في الملف الإيراني.
الاستعدادات العسكرية: خيارات مفتوحة دون قرار نهائي
تتحدث تقارير أميركية عن دراسة خيارات عسكرية تتراوح بين ضربات محدودة ومركزة وعمليات أوسع تستهدف منشآت عسكرية وطاقوية ونووية. ويبقى القرار النهائي بيد الرئيس، ولم يُحدد أي موعد لبدء أي هجوم. وقد عززت الولايات المتحدة وجودها البحري في المنطقة بإرسال حاملات طائرات إضافية، وهو حشد لا يعني بالضرورة أن الهجوم حتمي، لكنه يرفع مستوى الجاهزية.
في المقابل، يحذّر مسؤولون عسكريون من أن الاستخدام الواسع للأسلحة الدفاعية قد يستنزف مخزونات صواريخ الاعتراض التي تحمي القواعد الأميركية في المنطقة، خصوصاً أن تكتيكات إيران ومنهجيتها في الاستهداف باتت أكثر تطوراً مما كانت عليه في المراحل الأولى للمواجهة. كما يرى محللون أن الضربات المحدودة وحدها قد لا تكفي لتحقيق الأهداف المعلنة، لا لفتح المضيق ولا لإجبار طهران على العودة إلى طاولة التفاوض.
وفي موازاة ذلك، يبرز الضغط الاقتصادي بوصفه أداة مهمة في الاستراتيجية الأميركية. فالعقوبات المفروضة على ما يُعرف بـ«الأسطول المظلم» لنقل النفط، ومحاولات تقليص عائدات طهران من تهريب النفط، تُقدَّم من قبل بعض المقربين من الإدارة كدليل على أن الضغط بدأ يؤتي ثماره، ويرون أن منح هذا المسار مزيداً من الوقت قد يكون أجدى من الذهاب إلى الحرب. أما مؤيدو الخيار العسكري فيرون أن ضربة قصيرة وقوية قد تفاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية وتعطّل قدرة طهران على التحكم في الملاحة.
البعد الإسرائيلي: تنسيق أمني وحسابات انتخابية
تشير التقارير إلى تصاعد المشاورات الأمنية بين واشنطن وتل أبيب، بما في ذلك اجتماعات لفريق الأمن القومي الأميركي تناولت احتمال استئناف الحرب، واتصالات متكررة بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي. ويتحدث مسؤولون إسرائيليون عن احتمال أن تشارك إسرائيل في أي عملية مقبلة، مع تقدير بأن احتمال بدء العمليات قبل الانتخابات الأميركية ضعيف لكنه غير منتفٍ، وأنه يرتفع بعدها.
ويتداخل هذا البعد مع الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، إذ تقترب انتخابات الكنيست، ويُحذَّر من أن استئناف الحرب قد يؤدي إلى تأجيلها، لأن إيران قد ترد بإطلاق عدد كبير من الصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، يُرجَّح أن أي تصعيد قد يخدم رئيس الوزراء في سياق حملته الانتخابية، إذ يقلّص فرص خصومه في توجيه الانتقادات له في الأسابيع الأخيرة.
تردد ترامب بشأن التوقيت
أعلن ترامب أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات الكونغرس النصفية في الثالث من نوفمبر، لكن التقارير تشير إلى أن هذا الإعلان يتزامن مع استمرار الاستعداد العسكري. ويذكّر بعض المراقبين بأن تصريحات سابقة للإدارة الأميركية قبيل عمليات عسكرية مماثلة لم تكن دقيقة في التعبير عن نية الحسم، ولذلك يتعامل كثيرون مع هذا التصريح بوصفه جزءاً من المناورة السياسية أكثر من كونه التزاماً مؤكداً.
مناورة حول «هجمات على المدن الأميركية»
تحدث ترامب عن احتمال أن تستهدف إيران مدينتي لوس أنجلوس وسان دييغو، وهو ما يربطه التحليل ببرامج فيدرالية قائمة منذ سنوات لرصد المواد الإشعاعية والنووية في عشرات المناطق الحضرية. وتؤكد التقارير أن هذه البرامج جزء من آليات الاستعداد الداخلي المعتادة، وأن إدراج اسم مدينة فيها لا يعني وجود تهديد وشيك، ولا يُعد دليلاً مستقلاً على خطر محدد. ومن ثم يرى التحليل أن استحضار هذه الصورة في الخطاب السياسي قد يخدم هدفاً تعبوياً أكثر من كونه تقديراً للتهديد.
الخلاصة
يخلص النص إلى أن الدبلوماسية ما زالت قائمة لكنها بطيئة، ومحاطة بخلافات جوهرية حول ترتيب الخطوات والملف النووي، وأن الخيار العسكري لم يُستبعد وإن لم يُحسم. وبناءً على ذلك، فإن الحكم على أي تطور يجب أن يستند إلى نتائج عملية ملموسة، وإلى تغيّر حقيقي في سلوك الأطراف، لا إلى تصريحات متفائلة أو مؤشرات جزئية. أما في غياب ذلك، فإن المسار التفاوضي سيبقى هشاً، والتوتر مرشحاً للعودة في أي لحظة.
المصادر وكالة إرنا؛ قناة العربية؛ موقع أكسيوس؛ صحيفة نيويورك تايمز؛ مجلة ذي أتلانتيك؛ وكالة تاس؛ البيانات الرسمية الصادرة عن الكرملين والحكومة الأميركية، وتصريحات المسؤولين الإيرانيين المنشورة في وسائل الإعلام.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير