رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الفنانة سوسن شكري مسيرة حافلة بالأعمال الفنية المتنوعة


المشاهدات 1046
تاريخ الإضافة 2026/10/17 - 8:51 PM
آخر تحديث 2026/10/18 - 12:53 AM

الفنانة الرائدة سوسن شكري ممثلة بارزة قدمت مسيرة حافلة بالأعمال الفنية المتنوعة في السينما والمسرح والتلفزيون. ولدت في بغداد وسط عائلة فنية عريقة؛ فوالدها هو الفنان والمخرج الراحل شكري العقيدي، وعمها الفنان فخري العقيدي، وشقيقها الممثل أحمد شكري العقيدي.. هذه البيئة الفنية ساهمت في دخولها المجال الفني في سن مبكرة حيث كانت ترافق والدها إلى مواقع التصوير.   

كانت البدايات حيث انطلقت فنياً في مطلع سبعينيات القرن الماضي من خلال برامج الأطفال التلفزيونية برفقة الفنانة مي شوقي. أما الانطلاقة الفعلية فقد جاءت بوابتها الحقيقية للشهرة من خلال مشاركتها في المسلسل التلفزيوني الشهير «فتاة في العشرين»، لذلك اعتبرت الفنانة سوسن شكري ابنة المسرح العراقي وذاكرة جيل، فحين يتأمل المرء مسيرة الفن العراقي المعاصر، وتحديداً عتبات مسرحه الذي لطالما كان مرآةً حية لتقلبات الروح العراقية، سرعان ما نستوقف عند أسماء قليلة استطاعت أن تحفر اسمها في صخر الذاكرة بماء العزم والصدق الفني. 
وتتربع الفنانة القديرة سوسن شكري ضمن هذه الأسماء كرمز من رموز الأصالة، وابنة شرعية لبيئة مسرحية خالصة تشربت حب الخشبة منذ نعومة أظفارها في كنف والدها الفنان الكبير شكري العقيدي وعمها فخري العقيدي. إن سوسن شكري ليست مجرد ممثلة تقف أمام الكاميرا أو على الخشبة، بل هي تجسيد حي لضمير المرأة العراقية، وذاكرة جيل بأكمله واجه العواصف بصمت الأنبياء وشموخ المبدعين.
ان الإرث والنشأة منحها الشغف وطهارة الطقس المسرحي فنشأت سوسن شكري في مختبر فني متكامل، فالبيت الذي تنتمي إليه لم يكن بمعزل عن روائح الكواليس وأضواء المسرح وبروفات الإعداد.. هذا المناخ الخصب منحها حساسية استثنائية تجاه النص، وقدرة فريدة على التقاط جوهر الشخصية دون تكلف أو استعراض مجاني.
 لقد تخلت الفنانة سوسن شكري مبكراً عن بريق النجومية السهلة، واختارت الدرب الأوعر والأكثر عمقاً درب المسرح، حيث الحوار المباشر مع نبض الجمهور، وحيث الصدق هو العملة الوحيدة الرابحة. فقد تميزت منذ اطلالاتها الأولى بأسلوب أدائي يتكئ على الهدوء، التكثيف النفسي، والعمق الداخلي، مبتعدةً عن الصراخ المفتعل، لتجعل من تعبيرات وجهها وصمتها الناطق لغةً تفوق الكلمات بليغاً.
إن الحديث عن سوسن شكري هو في الحقيقة حديث عن تاريخ جيل كامل من الفنانات العراقيات اللواتي واصلن العطاء تحت المطر والنار، محترفين الوفاء لمهنة تقتات على الروح.. لقد استطاعت هذه الفنانة الراقية أن تحافظ على رونقها وألقها داخل الوطن وخارجه، متنقلة بسلاسة بين المسرح والدراما التلفزيونية والسينما، ومحتفظة بوقار الممثلة المثقفة التي تعي تماماً رسالتها الإنسانية. كذلك تُشكل تجربة الفنانة القديرة سوسن شكري على خشبة المسرح العراقي مساراً فارقاً يتجاوز مجرد التمثيل، ليكون وثيقة فنية وإنسانية تحاكي تحولات المجتمع العراقي وتقلباته عبر عقود متتالية. وإذا كانت فترة التسعينيات قد شهدت ترسيخ أقدامها كواحدة من أعمق القامات المسرحية أداءً ورنيناً، فإن حقبة الألفيات مثّلت بالنسبة لها محطة نضج استثنائية، تجلت في خوضها تجارب مسرحية لامست وجدان الجمهور في أحلك الظروف وأشدها تعقيداً.
كما يُعدّ حضور المرأة العراقية في المسرح محطة مضيئة ورمزاً من رموز الكفاح الثقافي والاجتماعي؛ فقد تجاوز دورها حدود الوقوف على خشبة المسرح كفنانة، لتكون شريكاً أساسياً في التأسيس والتأليف والنضال الفكري، متحديةً بذلك الظروف والأعراف الاجتماعية السائدة في حقب تاريخية مختلفة لإثبات حضورها.   
فقد واجهت النساء العراقيات اللواتي دخلن عالم المسرح في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي تحديات هائلة بسبب القيود المجتمعية، إلا أن شغفهن بالفن دفعهم لتأسيس قاعدة صلبة للحركة المسرحية.
لذلك يقف المسرح المعاصر اليوم على جهود الأجيال النسوية  من ضمنهن سوسن شكري التي أسهمت برقي المسرح العراقي حيث تقف المرأة العراقية على خشبة المسرح مخرجة وممثلة وكاتبة وسينوغرافيّة، وتلعب دوراً محورياً في مهرجانات المسرح العراقي والعربي والدولي، مستفيدة من الإرث الغني الذي تركته جيل الرواد، بعد أن عانت الرائدات الأوائل من النظرة القاصرة للفن في المجتمعات التقليدية، واضطرت بعضهن لتغيير أسمائهن الحقيقية (مثل الفنانة زينب التي اشتهرت باسمها الفني هرباً من ملاحقة السلطات والقيود الاجتماعية)، ورغم ذلك نجحن في انتزاع احترام المجتمع وتحويل المسرح إلى منبر للتنوير.   
والمسرحيات بوصف عام فهن نسيج متداخل يجمع بين الأنساق الجمالية والاجتماعية عبر توظيف مفهوم القوى الناعمة، التي تُعد من أبرز أدوات التأثير غير المباشر القائمة على العاطفة والتواصل الرمزي والتعبيرات الدقيقة، بما أسهم ذلك في تشكيل الرأي العام وتعزيز القيم الثقافية والإنسانية بعيداً عن أساليب القسر والعنف. فالخطاب المسرحي العراقي لا يقتصر على النصوص الحوارية، بل يتجلى عبر منظومة السينوغرافيا من إضاءة وديكور وموسيقى وتقنيات أداء تُبرز الأبعاد النفسية والعاطفية والفكرية، وتعمل على جذب المتلقي وإقناعه بوسائل جمالية ورمزية قادرة على بناء الثقة وإحداث التأثير المطلوب. 
وانطلاقاً من هذه الرؤية، فالمسرح احتضن بواكير الفنانات المجتهدات بوصفه نموذجاً تطبيقياً يجسد خطاب القوى الناعمة في المسرح، حيث اعتمدت المخرجة على النص والإخراج والأداء والسينوغرافيا لإنتاج خطاب رمزي جمالي يستلهم تراث المسرح عموما ويُسقطه على واقع المرأة العراقية المعاصرة، كاشفاً عن معاناتها من الكبت والعزلة والحرمان، ومعبراً عن توقها العميق إلى الحرية، زيادة على رفضها للحروب التي مرت على العراق وتداعياتها المدمرة التي كرّست التهميش والإقصاء وحجبت دورها الفاعل في المجتمع. 
ويكشف هذا التتبع من هذه المقاربة أن المسرح يمتلك قدرة فريدة على إعادة إنتاج خطاب القوى الناعمة باعتباره منبراً ثقافياً قادراً على ترسيخ الوعي الجمعي بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، وعلى نقل رسائل جمالية ورمزية تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية بفضل طاقته على التأثير العاطفي والوجداني، وهو ما يجعله أداة فاعلة في تشكيل المواقف وإعادة بلورة الرؤى الثقافية والاجتماعية.
 لم تقتصر مشاركة المرأة العراقية على الأداء التجميلي فحسب، بل امتدت لتشمل الكتابة والتأليف وصياغة الفكر المسرحي، أسهمت الأقلام النسوية والأكاديميات العراقيات لاحقاً في رفد المكتبة المسرحية بالنصوص النقدية والدراسات الأكاديمية التي حللت بنية العرض المسرحي وأبعاده النفسية والاجتماعية.   
عاصرت سوسن شكري الحقبة الذهبية للمسرح والدراما في العراق خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وبعد الظروف الصعبة التي مرت بالبلاد بعد عام 2003، واصلت عطاءها الفني خارج حدود الوطن (حيث تنقلت بين سوريا وتركيا)، مقدمةً أعمالاً درامية عربية وعراقية لاقت متابعة واسعة، مُحافظةً على رقيها الفني وصورتها كرمز للمرأة العراقية المثقفة والملتزمة.   
وللفنانة سوسن شكري محطات بارزة في مسيرتها المسرحية والفنية منذ النشأة والعشق المبكر للمسرح، فقد عُرفت بأسلوبها الهادئ، وأدائها البسيط والعميق الذي يلامس وجدان المشاهد دون افتعال. 
وعلى الرغم من تقديمها لأدوار درامية وسينمائية خالدة (مثل فيلمي الأسوار والنهر ومسلسلات شهيرة كـ فتاة في العشرين وأعماق الرغبة)، إلا أن للمسرح مكانة خاصة في قلبها، حيث صرحت في مناسبات عديدة بأنها تملك شغفاً استثنائياً بالوقوف على خشبة المسرح وتفضل أدواره ذات الرسالة العميقة وتبتعد عن الأعمال السطحية.  
أما أبرز الأعمال المسرحية: قدمت سوسن شكري خلال مسيرة ثرية العديد من المسرحيات الاجتماعية والفكاهية والنخبوية التي تركت صدى طيباً في الذاكرة الفنية العراقية، منها: مسرحية «عقدة حمار» (1993)، فريق العمل:  التأليف: الكاتب العراقي الكبير عادل كاظم.  الإخراج: المخرج الكبير د. فاضل خليل. البطولة: شارك فيها نخبة من نجوم المسرح العراقي، وقد جاء انضمام الفنانة سوسن شكري لهذا العمل المميز كـ «ضَيفَة شرف» لأداء دور محوري طارئ بسبب ظرف طارئ للممثلة الرئيسية آنذاك (الفنانة ليلى محمد). طبيعة الدور: تجسيد شخصية «الدكتورة»، وهو دور حمل أبعاداً درامية وفكرية عميقة تتماشى مع الطابع النقدي والرمزية العالية التي تميزت بها نصوص عادل كاظم المسرحية في تلك الفترة..  أظهرت سوسن شكري في هذا العرض قدرتها العالية على الامساك بتلابيب الشخصية وترك بصمة واضحة رغم كونها مشاركة استثنائية، مستفيدة من هدوئها المعهود وحضورها الواثق على خشبة المسرح.   
مسرحية «أطراف المدينة» (1994) الأجواء والرمزية: عُرضت المسرحية في منتصف التسعينيات، وهي فترة اتسمت بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة في المجتمع العراقي انعكست بوضوح على النصوص المسرحية آنذاك، وقد قدمت المسرحية قراءة درامية واقعية ورمزية لواقع الإنسان العراقي ومعاناته اليومية وهمومه على هامش المدينة.
تألقت سوسن شكري في هذا العمل من خلال قدرتها الفريدة على تجسيد الشخصيات الإنسانية القريبة من نبض الشارع؛ حيث عُرفت بقدرتها العالية على نقل المشاعر الدقيقة وتفاصيل الحياة اليومية للمرأة العراقية بصدق وعمق بعيداً عن التكلف أو المبالغة، مما جعل حضورها المسرحي في هذا العرض يلامس قلوب الجمهور ويحقق صدى واسعاً.
مسرحية «يا حافر البير» (1996). السياق والمضمون: حملت هذه المسرحية عنواناً يعكس دلالات عميقة ومثقلة بالصبر، والمثابرة، والمعاناة الإنسانية التي ترمز إلى صراع الإنسان العراقي وتحديه للظروف القاسية سعياً وراء لقمة العيش أو الأمل. وجاءت النصوص في تلك الفترة لتناقش بجرأة وهموم واعية واقع المجتمع وتفاعلاته النفسية.. لقد أضفت سوسن شكري على هذا العمل طابعاً خاصاً بفضل خزينها التمثيلي الغني وأسلوبها القائم على التعبير الهادئ والعميق، واستطاعت من خلال مشاركتها في هذا العرض أن تجسد ملامح المرأة الصابرة والمكافحة، مترجمةً أبعاد النص المسرحي إلى أداء حسي رفيع يلامس وجدان المتلقي.
ونقف كذلك في محطات في الذاكرة من عبق التسعينيات إلى أسئلة الألفيات، فقد عاصرت سوسن شكري التحولات الكبرى التي مر بها المسرح العراقي؛ فمنذ تألقها في حقبة التسعينيات من القرن الماضي وصولاً إلى أزمات وتحولات الألفيات، ظلت بوصلتها الفنية ثابتة لا تضل الطريق.
في عام 2005، وفي وقت كان العراق يمر فيه بمرحلة حرجة من تاريخه الحديث عقب التغيرات الكبرى التي شهدتها البلاد بعد عام 2003، جاءت مسرحية «الدنيا حظوظ» لتطرح تساؤلات وجودية واجتماعية ملحة بأسلوب يمزج بين السخرية والوجع الإنساني.. في هذا العرض، أثبتت سوسن شكري قدرتها الفائقة على التلون الدرامي؛ إذ لم تقف عند حدود الأدوار التراجيدية الهادئة التي عُرفت بها، بل قدمت أداءً مبهراً يعتمد على الكوميديا السوداء والتعبير الرمزي عن تقلبات الحظ والقدر. 
جسدت شكري شخصية المرأة العراقية المحاصرة بين أمل التغيير وقسوة الأمر الواقع، متكئة على حضورها الدافئ الذي منح النص طاقة إيجابية وسط مناخ من الإحباط والغموض الشامل، لتؤكد أن الفن العراقي قادر على الشموخ والابتسام رغم الجراح.
«خيانة» (2017): التكثيف النفسي ومواجهة الذات ولم تتوقف رحلة العطاء عند حدود الوطن الإقليمي؛ بل واصلت سوسن شكري حضورها المسرحي والفكري خارج العراق، تجسد ذلك بوضوح في مسرحية «خيانة» عام 2017.
أتت هذه المسرحية في مرحلة نضج فكري وفني متقدم، لتسلط الضوء على مفهوم «الخيانة» ليس فقط بمعناها التقليدي، بل بمفهومها الفلسفي والنفسي الشامل: خيانة الأحلام، وخيانة القيم الإنسانية، والانكسارات الروحية التي تخلفها الحروب والنزاعات والتغريب. 
قدمت سوسن شكري في هذا العمل أداءً مكثفاً اتسم بالصمت المعبر والتقاطيع الوجهية المليئة بالدلالات، حافرة عميقاً في دواخل الشخصية ومقدمةً نموذجاً للممثلة التي تجعل من صوتها وتعبيراتها مرآة صريحة للوجع الإنساني الشامل.
إن استعراض مسيرة سوسن شكري في حقبة الألفيات، من «الدنيا حظوظ» إلى «خيانة»، يُظهر بجلاء أن موقفها من المسرح لم يكن يوماً مجرد مهنة، بل كان ولا يزال رسالة أخلاقية وجمالية. لقد استطاعت عبر هذه الأعمال أن تظل صوتاً صادقاً للمرأة العراقية، ورمزاً من رموز الفن العراقي الأصيل الذي لا ينكسر أمام التحولات العاصفة، بل يستمد منها قوته ليصنع  إبداعاً يطال القلوب والضمائر.
وقبل ذلك، تركت بصمات لا تُنسى في أعمال راسخة مثل «عقدة حمار» (حين دخلت كضيفة شرف متألقة)، و»أطراف المدينة»، و»يا حافر البير»، لتثبت في كل مرة أنها ممثلة مواقف وليست ممثلة أدوار عابرة.
نعم فإن سوسن شكري.. ابنة المسرح العراقي البارة، وذاكرته النابضة التي لن تذبل، تظل شمعة تضيء دروب الآتين، ودليلاً ساطعاً على أن الفن الحقيقي قادر على قهر القبح وصناعة الجمال من رحم المعاناة.
عقب الأحداث التي شهدها العراق بعد عام 2003، غادرت البلاد للإقامة مؤقتاً في سوريا حيث شاركت في عدة أعمال درامية، واستقرت لاحقاً في تركيا.
أبرز أعمالها الفنية في التلفزيون:   مسلسل فتاة في العشرين. مسلسل بيت الطين (الجزء الثاني). مسلسل عائلة في زمن العولمة. مسلسل بيت الشمع، ومشاركات واسعة في العديد من المسلسلات العراقية والعربية المشتركة.   في السينما: اشتركت في عدة أفلام بارزة في تاريخ السينما العراقية، من أبرزها الفيلم الرائع «الأسوار».


تابعنا على
تصميم وتطوير