رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
جروحٌ لا يراها أحد


المشاهدات 1085
تاريخ الإضافة 2026/10/18 - 9:43 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 12:53 AM

لولا حضوري احتفالية أقامتها شعبة الإرشاد النفسي في جامعة التراث لمناسبة يوم الصحة النفسية العالمي الذي صادف يوم العاشر من تشرين الأول الجاري، لما انتبهت إلى هذه المناسبة، ذلك أن هذا اليوم مرّ على أغلب الناس، وحتى في المؤسسات الصحية والأكاديمية المعنية، من دون أن يلفت الانتباه، ولعل هذه المفارقة تختصر جانباً من المشكلة، فنحن نولي صحة الأبدان اهتماماً كبيراً، ونبادر إلى مراجعة الأطباء حين نشعر بألم في أجسادنا، لكننا كثيراً ما نتجاهل آلام النفس، ونؤجل الاعتراف بها، أو نتعامل معها بوصفها ضعفاً في الشخصية، أو نقصاً في الإيمان، أو عجزاً عن مواجهة الحياة، وهكذا تظل النفس، التي تمنح الجسد معناه وحيويته، أقل حظاً من الرعاية والاهتمام.   
إن الصحة النفسية ليست ترفاً فكرياً، ولا شأناً يخص المصابين باضطرابات نفسية حادة فحسب، وإنما هي جزء أساس من صحة الإنسان وقدرته على التفكير والعمل والتواصل والتكيف مع ظروف الحياة، فالقلق والاكتئاب والضغوط المتراكمة قد تصيب أي إنسان، بصرف النظر عن مستواه الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، ولا تعني الإصابة بها أن صاحبها ضعيف أو عاجز. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 1.2 مليار إنسان، أي قرابة شخص واحد من كل سبعة أشخاص في العالم، يعانون من اضطراب نفسي، ومع ذلك، لا يحصل كثيرون منهم على الرعاية الفعالة التي يحتاجون إليها. أما في العراق، فإن التحدي يتضاعف بفعل الحروب والأزمات المتعاقبة والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن المفاهيم الخاطئة التي تحيط بالمرض النفسي، إذ ما زال بعض الناس يترددون في مراجعة الطبيب النفسي خشية نظرة المجتمع، أو خوفاً من أن يُلصق بهم وصف لا يرغبون فيه، وقد يلجأ بعضهم إلى إخفاء معاناته سنوات طويلة، فيما تتفاقم المشكلة بصمت، وذلك يعني إننا نعيش مفارقة تستحق التأمل، فهناك أعداد كبيرة من الأطباء تعالج أمراض الأبدان، فيما لا يزال الاهتمام بعلاج النفس والوقاية من اضطراباتها محدوداً قياساً بحجم الحاجة. وبالطبع فإن المقصود هنا ليس التقليل من شأن الطب الجسدي، بل الدعوة إلى إدراك أن الإنسان وحدة متكاملة، وأن سلامة الجسد لا تنفصل عن سلامة النفس.
لقد كانت الاحتفالية مناسبة للتذكير بأن الاهتمام بالصحة النفسية لا يبدأ حين ينهار الإنسان، وإنما حين نتعلم كيف نصغي إليه، ونفهم معاناته، ونمنحه حقه في الرعاية من دون خوف أو خجل، فكم من إنسان يبتسم في وجوه الآخرين، فيما يخوض في داخله معركة لا يراها أحد؟ وكم من ألم كان يمكن تخفيفه لو وجد صاحبه من يصغي إليه، أو اختصاصياً يساعده، أو مجتمعاً لا يحاكمه؟
  إن العناية بالنفس ليست ضعفاً، وطلب المساعدة ليس عيباً، فكما نحتاج إلى طبيب حين يمرض الجسد، نحتاج إلى المختص حين تثقل النفس أعباؤها، ولعل أول خطوة نحو مجتمع أكثر صحة أن نتعلم جميعاً أن للنفوس أوجاعاً أيضاً، وأن بعض الجروح لا تظهر على الجسد، لكنها تحتاج إلى العلاج بقدر ما تحتاج إليه الجروح الظاهرة.


تابعنا على
تصميم وتطوير