رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
مؤتمر بغداد للترجمة:.... الآلة تنقل الكلمات والإنسان يمنحها المعنى


المشاهدات 1060
تاريخ الإضافة 2026/10/18 - 9:48 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 12:53 AM

في المدينة التي ارتبط اسمها بالمعرفة والترجمة، لم يكن احتفال بغداد باليوم العالمي للترجمة عام 2026 مناسبة رمزية فحسب، بل تحوّل إلى نقاش واسع حول مستقبل المهنة وموقع الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي. فقد جمع المؤتمر نحو 350 مترجماً وضيفاً، بحضور مؤسسات حكومية وجامعات ومراكز للترجمة والبحث، وطرح سؤالاً يتجاوز حدود المهنة: هل الذكاء الاصطناعي منافس للمترجم أم أداة يطوّر بها عمله؟
وقال د. رضا الموسوي إن هذه الدورات والمؤتمرات وسائر الفعاليات، من ندوات وغيرها، تُقام في اليوم العالمي للترجمة، ولها دور كبير في رفع المستوى المعرفي لجميع المترجمين. وأشار إلى أن حضور أكثر من 300 مترجم في الاحتفال يتيح لهم اللقاء والحديث عن تجاربهم وآخر منجزاتهم، واصفاً المؤتمر بأنه «لقاء معرفي كبير يسهم في تنمية تجربتك وتجارب الجميع على حد سواء»، ومؤكداً أن هذا النوع من التجمعات بالغ الأهمية.
من بيت الحكمة إلى الخوارزميات
لم تنشأ علاقة بغداد بالترجمة مع التكنولوجيا الحديثة؛ فالمدينة ارتبط اسمها بازدهار حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية، حين كان المترجم وسيطاً بين الحضارات، ينقل المعرفة ويعيد صياغتها بما يلائم بيئتها الجديدة. واليوم تعود بغداد إلى السؤال نفسه بأدوات مختلفة: كيف يُنقل المعنى من لغة إلى أخرى دون أن يفقد روحه وسياقه؟
أداة لا بديل
وبحسب تصريح نائب رئيس جمعية المترجمين العراقيين، د. قاسم الأسدي، تضمنت الفعالية ندوة علمية متخصصة بعنوان «الذكاء الاصطناعي وأثره في هوية المترجم وبناء الإبداع»، سلّطت الضوء على آليات تطوير عمل المترجم في ظل التقدم الكبير في التكنولوجيا والخوارزميات. وتركزت محاور النقاش على أثر الذكاء الاصطناعي في إبداع المترجم، ومدى ملاءمة استخدامه في المجالات الدقيقة، كترجمة التقارير الطبية والعبارات القانونية. وخرج المشاركون بجملة توصيات أساسية، منها إمكان الإفادة من الذكاء الاصطناعي في توفير الوقت واستخراج بعض العبارات والمصطلحات، وضرورة عدم الاعتماد الكلي والمطلق عليه في عملية الترجمة.
لم يرفض المشاركون التكنولوجيا، بل وضعوها في إطارها الصحيح: أداة تختصر الوقت وتيسّر الوصول إلى المصطلحات والمعلومات ومقارنة النصوص، لكنها لا تتحمل وحدها مسؤولية القرار في النصوص الحساسة. ففي الترجمة الطبية قد يؤدي خطأ في مصطلح واحد إلى نتائج خطيرة، وفي الترجمة القانونية قد ترتبط الكلمة بحق أو التزام أو قرار قضائي.
وأكدت د. خنساء جاسم من الجامعة الأمريكية أن الترجمة القانونية بالغة الأهمية لأنها تتطلب دقة وحذراً في نقل النص، بحيث لا تفضي إلى نتيجة تضر بالأطراف أو بالأشخاص المعنيين. ولأنها ترتبط بمصالح الأفراد في المجالات الدولية والمدنية والجزائية، فهي تمسّ حياتهم وحرياتهم، ومن ثم فإن أي خطأ فيها يرتّب مسؤولية قانونية ويفضي إلى المساس بمصالح الأفراد وحقوقهم وحرياتهم.
وفي السياق نفسه، أُعلن تأسيس أول مركز للترجمة القانونية في كلية القانون بالجامعة الأمريكية في العراق – بغداد، بهدف إعداد جيل جديد من المترجمين المتخصصين والأكفاء في المجال القانوني. وأكدت الكلية أن الترجمة القانونية تتطلب دقة وخبرة ومعرفة خاصة بلغة القانون ومصطلحاته.
وأوضح ممثل أجنبي عن كلية القانون في الجامعة، في تصريح باللغة الإنكليزية للتحقيق، أن المركز سيقدّم الدورات والتدريب للراغبين في دخول المهنة، ولا سيما في ترجمة اللغة القانونية والقوانين والتشريعات. وقال: «نؤمن بأن اللغة القانونية شديدة الخصوصية؛ ففي القانون نستخدم مفردات ومصطلحات دقيقة لوصف كيفية عمل القانون». وأضاف أن المركز سينظّم ورش عمل لإكساب الجيل الجديد من المترجمين المهارات التي تتطلبها ممارسة الترجمة القانونية، مؤكداً أن من يريد أن يصبح مترجماً في المجال القانوني، أو أن يترجم القوانين من العربية إلى الإنكليزية ومن الإنكليزية إلى العربية، يحتاج إلى مهارات وتدريب متخصصين.
تمكين للمترجمين من ذوي الإعاقة البصرية
قدّمت المترجمة داليا، وهي من ذوي الإعاقة البصرية، شهادة لافتة عن تجربتها، قالت فيها إن الذكاء الاصطناعي حقق «نجاحاً غير مسبوق» للمترجمين، ولا سيما ذوي الإعاقة البصرية، إذ يتيح حتى قراءة الصور، فإذا كان النص المراد ترجمته على هيئة صورة فإنه ينقله إليها كتابةً. وأضافت أن ذلك وفّر لها ولذوي الإعاقة البصرية تسهيلاً كبيراً، ولا سيما في النصوص الإنكليزية، لأنه ينقل المحتوى الذي ينبغي أن يصل إلى المكفوفين ليتفرغوا لإيصال الترجمة المطلوبة بأعلى مستوى. وبذلك ينتقل النقاش من سؤال المنافسة إلى سؤال التمكين.
الترجمة السياسية: خطر الاعتماد على الآلة
حذّر المحلل السياسي الدكتور حيدر برزنجي من خطورة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة السياسية والإعلامية، مؤكداً أنه لا يمكن لأي جهاز أو نظام أن يحل محل المترجم، ولا سيما المترجمين العرب وجمعيات الترجمة المختصة.
وقال إن الأبحاث والمقالات السياسية المنشورة في الصحف العالمية تقوم على «روح النص» التي تفقدها الترجمة الآلية، وإن هذه الروح لا تأتي إلا من المترجم البشري. وأضاف أن نقل النصوص السياسية والتعابير واللقاءات والمؤتمرات عبر أدوات الذكاء الاصطناعي قد يشكّل خطراً بالغاً إذا غابت الدقة البشرية، وإن كان الذكاء الاصطناعي «ليس سيئاً بالمطلق»، مشدداً على أن النصوص السياسية والدبلوماسية ينبغي أن يتولاها مترجمون بشريون، لدورهم الأساسي في إيصال المعنى الدقيق.
ما لا تفعله الآلة
تستطيع الخوارزمية تحليل ملايين الكلمات في ثوانٍ، لكنها قد تتعثر أمام السخرية والإيحاء والدلالة الثقافية. 
فالمترجم لا يسأل «ماذا تعني الكلمة؟» فحسب، بل: لماذا قيلت؟ ولمن؟ وما الأثر الذي ينبغي أن تتركه في اللغة الأخرى؟ وهنا تتجلى أهمية رؤية طه عبد الرحمن التي تجعل المترجم شريكاً في إنتاج المعنى لا وسيطاً محايداً.
دار المأمون: إرث عريق مع كبار المترجمين
وفي تصريح صحفي، سلّطت الأستاذة إشراق عبد العال، مديرة دار المأمون للترجمة والنشر، الضوء على أهمية الترجمة في المشهد الثقافي، مؤكدة أن الدار تملك ثروة كبيرة من المترجمين الذين أغنوا المشهد المعرفي والثقافي بعناوين وخيارات ترجمية متنوعة. وأشارت إلى تاريخ الدار العريق الذي حفل بأسماء كثيرة، وتعاملت الدار خلاله مع كبار المترجمين العراقيين والعرب ممن بدأت مسيرتهم في الثمانينيات، ومنهم جبار جابر، وعبد الواحد لؤلؤة، ولطفية الدليمي، وعبد الواحد محمد مصلح، والمظفر، إلى جانب قائمة طويلة من الأسماء الرفيعة. وبيّنت أن العمل في تلك المرحلة كان تقليدياً ورقياً بحتاً، إذ تقتصر آلياته على تسليم المخطوطة إلى المطبعة مع النص المترجم.
العراق   مختبر للتنوع اللغوي
بتعدد لغاته، من العربية والكردية إلى التركمانية والسريانية، تغدو الترجمة في العراق حاجة يومية، ويصبح حق الإنسان في أن يُفهَم بلغته جزءاً من المشاركة الاجتماعية والوصول إلى الخدمات. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم هذا الحق إذا طُوّرت أدوات تراعي اللغات الأقل تمثيلاً في قواعد البيانات والنماذج الرقمية.
من المترجم إلى «الوسيط المعرفي»
يرى المشاركون أن وظيفة المترجم نفسها تتغير، فلن يكتفي بإتقان لغتين، بل سيكون وسيطاً معرفياً يجيد الأدوات الرقمية، ويتحقق من المعلومات، ويراجع ما ينتجه الذكاء الاصطناعي ويصححه. وبذلك يتحول السؤال من «هل ستستبدل الآلة المترجم؟» إلى: أي نوع من المترجمين سيبقى قادراً على المنافسة؟ والإجابة التي خرجت بها النقاشات: المترجم الذي يوظّف التكنولوجيا دون أن يتخلى عن مهاراته الإنسانية والفكرية.
خاتمة
في ختام أعمال المؤتمر، بدا أن بغداد لم تكن تحتفي بالترجمة بوصفها مهنة فحسب، بل تعيد طرح سؤال أعمق حول المعرفة واللغة والإنسان. فمن بيت الحكمة إلى الذكاء الاصطناعي تغيّرت الأدوات والسرعة، لكن جوهر الترجمة بقي فعلاً إنسانياً أساسياً: فهم الآخر ونقل صوته ومعناه إلى لغة أخرى. وقد أثبت المؤتمر أن مستقبل الترجمة لن يكون بالضرورة صراعاً بين الإنسان والآلة، بل شراكة يكون فيها الذكاء الاصطناعي أداة قوية، ويبقى الإنسان صاحب القرار والمسؤول عن المعنى.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير