
لم يعد غريباً أن نفتح مواقع التواصل الاجتماعي، فنجد من يصوّر تفاصيل حياته اليومية، من وجبات الطعام إلى الرحلات والمناسبات، لكن الغريب والخطير أن تنتقل هذه العدوى إلى غرف العمليات والى سيارات الاسعاف، حيث يكون الإنسان بين الحياة والموت، ويضع جسده وأسراره الصحية أمانة في يد الطبيب، لا مادةً للتصوير والنشر وحصد الإعجابات.
لقد أثار استغرابي، واستغراب كثيرين، ظهور طبيبة تنشر مقطع فيديو لعملية جراحية تجريها لمريض، ومقطع آخر تقدم فيه إسعافات أولية لمريض. وهنا لا بد من التوقف عند أسئلة تتجاوز الاستغراب إلى المسؤولية المهنية والقانونية والأخلاقية. أول هذه الأسئلة: كيف تستطيع الطبيبة أن تمنح المريض كامل تركيزها، وتتابع تفاصيل العملية الجراحية الدقيقة، بينما تنشغل بتصوير المشهد وإعداده للنشر؟ أليس نجاح العملية مرتبطاً بالانتباه الكامل، وسرعة الاستجابة لأي طارئ، والعمل ضمن فريق طبي يتطلب التنسيق والتركيز؟ ومن الذي يضمن أن التصوير لم يؤثر في سير العمل أو يشتت انتباه أحد أفراد الفريق؟.
لسنا هنا بصدد اتهام طبيبة بعينها بالتقصير، فذلك يحتاج إلى أدلة وتحقيق مهني، لكننا نتساءل عن مشروعية تحويل لحظات العلاج والإنقاذ إلى محتوى يُعرض أمام الجمهور.. أين حرمة جسد الإنسان وخصوصيته حين يتحول المريض إلى صورة منشورة على الملأ ؟.
فهل حصلت الطبيبة على موافقة صريحة من المريض قبل التصوير والنشر؟ وهل كان المريض، في ظروفه الصحية، قادراً على اتخاذ قرار حر بعيداً عن الضغط أو الحرج؟ وهل شملت الموافقة النشر على مواقع التواصل، لا مجرد التصوير لأغراض طبية أو تعليمية؟ وهل أُخفيت كل التفاصيل التي يمكن أن تكشف هويته؟ هذه أسئلة لا يجوز تجاوزها، ولا يمكن افتراض الإجابة عنها من مجرد مشاهدة الفيديو.
ومن الناحية القانونية، لا يصح إصدار حكم قاطع بأن كل تصوير طبي جريمة، فالأمر يتوقف على التشريعات النافذة، وطبيعة التصوير، ووجود الموافقة وحدودها، وما إذا كان النشر قد كشف بيانات صحية أو انتهك الخصوصية، فضلاً عن قواعد المهنة الطبية. لكن إذا ثبت انتهاك حقوق المريض أو نشر صوره ومعلوماته من دون مسوغ قانوني، فقد تترتب مسؤولية قانونية ومهنية تستوجب التحقيق والمساءلة.
وللمريض، بحسب الوقائع والأحكام القانونية، أن يلجأ إلى القضاء للمطالبة بحماية حقوقه والتعويض عن الضرر الذي لحق به. فالموافقة على العلاج ليست موافقة على التشهير، وقبول التصوير لغرض محدد لا يعني بالضرورة السماح بنشره للجميع.
وهنا يأتي دور نقابة الأطباء، التي يفترض أن تحمي شرف المهنة وتصون ثقة المجتمع بأطبائه. فإذا وصلت إليها شكوى أو ظهرت أمامها وقائع تستدعي التحقيق، فإن واجبها أن تتحقق منها، وأن تتخذ الإجراءات التأديبية المناسبة إذا ثبتت المخالفة، وفقاً للقانون وأصول المهنة. فالصمت، إن ثبتت المخالفة ولم تُعالج، يضعف الثقة بالمؤسسة التي يفترض أن تكون حارسة لأخلاقيات المهنة.
المريض إنسان يحتاج إلى العلاج، لا ممثل في مشهد، وجسده أمانة لا منصة للاستعراض. فهل تتحرك نقابة الأطباء لوضع حد فاصل وواضح بين التوثيق الطبي المسؤول والاستعراض على حساب خصوصية المرضى؟ أم ننتظر حتى يصبح انتهاك حرمة المريض أمراً مألوفاً، لا يثير سوى بضع دقائق من الجدل، ثم يختفي خلف فيديو جديد؟.