رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
من الحكم العثماني إلى الإحتلال البريطاني والأميركي....العراق بين ثلاثة إحتلالات ...قراءة في التاريخ والسيادة الوطنية


المشاهدات 1061
تاريخ الإضافة 2026/10/19 - 9:52 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:02 AM

لم يكن العراق أرضاً بلا تاريخ قبل أن تتنافس عليه الإمبراطوريات، ولم تبدأ حكاية هذا البلد مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة بل تمتد جذوره إلى حضارات أسهمت في تشكيل مسيرة الإنسانية من سومر وبابل وآشور إلى بغداد التي أصبحت في العصر العباسي مركزاً للعلم والفكر والثقافة، غير أن هذا الإرث الحضاري لم يمنح العراق حصانة دائمة من الصراعات الخارجية فقد تحولت أرضه بحكم موقعه الجغرافي وثرواته وطرق التجارة التي تمر عبره إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية، ومن هنا يمكن قراءة تاريخه الحديث من خلال ثلاث مراحل كبرى (الحكم العثماني والاحتلال البريطاني والاحتلال الأمريكي ) مع ضرورة التمييز بين طبيعة كل مرحلة وظروفها ونتائجها.
أولاً : العراق في ظل الحكم العثماني:
دخل العثمانيون بغداد سنة 1534 ثم تنازعوا السيطرة عليها مع الصفويين قبل أن يستعيدوها سنة 1638 ويستمر حكمهم لأقاليم العراق حتى الحرب العالمية الأولى مع اختلاف مستويات السيطرة والإدارة عبر القرون ، لم يكن العراق آنذاك دولة مستقلة بحدودها الحالية بل كانت مناطقه جزءاً من إمبراطورية واسعة مركزها إسطنبول، وتفاوتت أوضاع السكان بين مرحلة وأخرى كما تفاوتت قوة الإدارة المركزية ونفوذ القوى المحلية والعشائرية، حيث شهدت البلاد نشاطاً زراعياً وتجارياً وعلمياً لكنها عانت أيضاً من الحروب والأوبئة واضطراب الأمن وتراجع بعض أنظمة الري ولم يكن الحكم العثماني كتلة واحدة متجانسة، فقد عرف فترات من الإدارة المحلية القوية وأخرى من الاضطراب وضعف السيطرة ومع دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا أصبحت أراضي العراق ميداناً للمواجهة مع بريطانيا، وهكذا انتهى الحكم العثماني نتيجة تحول داخلي منفرد بل في سياق هزيمة الإمبراطورية وتفككها بعد الحرب.
ثانياً: الاحتلال البريطاني وتأسيس الدولة الحديثة:
 دخلت القوات البريطانية البصرة سنة 1914 ثم احتلت بغداد في آذار 1917 ووصلت إلى الموصل سنة 1918 ولم يكن الوجود البريطاني مجرد انتقال من سلطة إمبراطورية إلى أخرى فقد ارتبط بالمصالح الاستراتيجية البريطانية في الخليج وطرق الوصول إلى الهند وبالأهمية المتزايدة للنفط في المنطقة، قدمت بريطانيا خطاباً سياسياً تحدث عن تحرير السكان من الحكم العثماني، لكن مسار الأحداث أظهر أن الوعود بالاستقلال لم تتحقق بالصورة التي تطلع إليها العراقيون فقد خضع العراق للانتداب البريطاني وأصبحت لبريطانيا سلطة واسعة في الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية وفي عام 1920 اندلعت الثورة العراقية الكبرى ضد الحكم البريطاني، وشارك فيها عراقيون من مناطق وفئات مختلفة وكانت الثورة تعبيراً عن رفض إخضاع البلاد لحكم أجنبي ومطالبة بحق العراقيين في تقرير مصيرهم، ثم تأسست المملكة العراقية عام 1921 لكن قيام الدولة لم يعنِ انتهاء النفوذ البريطاني، فقد استمرت المعاهدات والامتيازات والروابط العسكرية والسياسية في منح بريطانيا تأثيراً كبيراً في مسار الدولة الجديدة ، وهنا تظهر مفارقة تاريخية تأسست دولة عراقية حديثة لكنها بدأت حياتها السياسية في ظل نفوذ قوة أجنبية، وفي إطار حدود ومؤسسات تشكلت خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى .
ثالثاً: الاحتلال الأمريكي عام 2003 :
بعد عقود من قيام الدولة العراقية الحديثة دخل العراق مرحلة جديدة من الصراع الدولي، ففي 18 آذار 2003 غزت قوات تقودها الولايات المتحدة بمشاركة بريطانيا ودول أخرى العراق، وسقطت بغداد في 9 نيسان من العام نفسه وانتهى حكم حزب البعث، استندت إدارة بوش إلى مبررات تتعلق بأسلحة الدمار الشامل المزعومة والأمن وإسقاط النظام لكن عمليات التفتيش الدولية قبل الحرب لم تكن قد عثرت على مخزونات أسلحة الدمار الشامل التي استندت إليها أبرز مبررات الغزو، بعد سقوط النظام تولت سلطة الائتلاف المؤقتة إدارة شؤون البلاد وشهد العراق حل مؤسسات وإعادة تشكيل أخرى وسط اضطراب أمني وتصاعد أعمال العنف والتمرد، وفي عام 2004 نُقلت السيادة رسمياً إلى الحكومة العراقية المؤقتة لكن آثار الاحتلال والقرارات التي اتخذت خلاله استمرت في التأثير في بناء الدولة ومؤسساتها حيث لا يمكن تفسير كل ما شهده العراق بعد عام 2003 بعامل خارجي واحد، فالتدخل الأمريكي وقرارات سلطة الاحتلال والصراعات الداخلية والتنافس الإقليمي وأخطاء القوى السياسية العراقية كلها عوامل أسهمت بدرجات مختلفة في تشكيل النتائج، ومع ذلك فإن الاحتلال لم يكن مجرد تغيير رأس السلطة بل مثل تحولاً عميقاً في مؤسسات الدولة وتوازناتها وفتح مرحلة طويلة من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وهنا يبرز السؤال الأهم : هل تتشابه الاحتلالات الثلاثة ؟
إن المقارنة بين العثمانيين والبريطانيين والأمريكيين لا تعني أنهم حكموا العراق بالطريقة نفسها، فالفترات الزمنية والظروف الدولية ونظم الإدارة مختلفة لكن المقارنة تساعدنا على فهم سؤال متكرر في تاريخ العراق ، كيف تتأثر سيادة البلاد عندما تصبح مصالح القوى الخارجية أكثر تأثيراً من إرادة المجتمع ومؤسسات الدولة ؟
في العهد العثماني كان العراق جزءاً من إمبراطورية متعددة الأقاليم، وفي العهد البريطاني خضع للاحتلال ثم الانتداب مع استمرار النفوذ الأجنبي بعد تأسيس المملكة. أما في عام 2003 فقد وقع الغزو الأمريكي الذي أطاح بالنظام القائم وأعاد تشكيل جانب كبير من مؤسسات الحكم، والقاسم الذي يستحق الدراسة ليس افتراض تطابق هذه التجارب بل البحث في آثارها على استقلال القرار العراقي وبناء المؤسسات وإدارة الثروات وعلاقة الدولة بمجتمعها .
الخلاصة: هل تكفي نهاية الاحتلال لتحقيق السيادة؟
إن أخطر ما يمكن أن نستخلصه من تاريخ العراق هو أن الاستقلال لا يتحقق بمجرد خروج القوات الأجنبية ولا بمجرد رفع العلم الوطني أو إجراء الانتخابات، بل يحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها عادلة في إدارة مواردها مستقلة في قرارها وقادرة على حماية مصالح مواطنيها.. لقد مر العراق بتجارب تاريخية متعددة ولم يكن ضحية العوامل الخارجية وحدها كما لم تكن مشكلاته كلها ناتجة عن الداخل، فالتدخلات الأجنبية تجد فرصتها أحياناً في الصراعات الداخلية وضعف المؤسسات بينما تتفاقم الأزمات الداخلية عندما تتقدم المصالح الخارجية على المصلحة الوطنية، ولهذا فإن استعادة السيادة ليست شعاراً سياسياً عابراً بل مشروع دولة يقوم على سيادة القانون ومكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد، وحماية الثروات الوطنية وبناء مؤسسات لا تخضع إلا للدستور والقانون والمصلحة العامة، فالعراق الذي صنع حضارات عظيمة لا يحتاج إلى استدعاء أمجاده وحدها بل إلى تحويل دروس تاريخه إلى مشروع وطني يمنع تكرار أخطاء الماضي، فالأوطان لا تُصان بذاكرتها فقط، وإنما بقدرتها على بناء حاضر مستقل ومستقبل أكثر استقراراً وعدلاً .
 


تابعنا على
تصميم وتطوير