
الفنانة الرائدة سناء سليم من الجيل الذهبي الذي لا يتكرر، وإحدى أبرز قامات المسرح والدراما والسينما في العراق، وامتدّت مسيرتها الفنية لأكثر من خمسة عقود، حملت شغفاً مبكراً بعد أن عُرفت بحبها الشديد للمسرح والتلفزيون والتزامها بتقديم أعمال تحمل قيمة فنية وثقافية عالية. كما إن سناء سليم هي إحدى وجوه الفن العراقي الأصيل، ورمز من رموز المسرح والتلفزيون اللاتي ساهمن في إثراء المشهد الثقافي والدرامي العراقي على مدار عقود ...
بدأت مسيرتها الفنية المتميزة عام 1968 بعد اجتيازها اختبارات القبول لتكون من المؤسسين الأوائل في الفرقة القومية للتمثيل، وتُعد مع زميلتها الفنانة أفراح عباس من أوائل العضوات اللاتي انضممن للفرقة عند تأسيسها. فكان ذلك جواز مرورها الى عالم التمثيل بجملتها الشهيرة (تعال هسه أريدك تجي بسرعة) الجملة التي طلبها منها الاستاذ بهنام ميخائيل رئيس لجنة القبول بالفرقة أن تنطقها بأعلى صوتها، في الاختبار الذي أقامته الفرقة القومية للتمثيل عام 1968 في بغداد. قدمت خلال مسيرتها الغنية ما يزيد عن خمسين عملاً متنوعاً بين المسرح والتلفزيون، مجسّدةً بصورة عميقة معاناة المرأة العراقية، وتضحياتها كأم وزوجة وأخت.
بعد اختبار ليس بالسهل استطاعت الفنانة سناء سليم ان تحقق النجاح والقبول في الفرقة القومية في دائرة السينما والمسرح، كان ذاك عام 68 يوم تقدمت لاختبار مع عدد من الفنانين واستمر حبها وولعها بالفن الامر الذي أعاق إكمال دراستها. وخلال مسيرتها الفنية شاركت في الكثير من الاعمال الفنية والمسرحية ومنها (سر شهرزاد والعادلون وعلى جناح التبريزي وجسر اركا والعلبة الحجرية وثم جاؤوا الى المدينة وحلم ليلة صيف ورسالة الطير)، كما عملت مع التلفزيون الاردني في مسلسل (ام الكروم) وتمثيلية رمضانية الى قناة ان ار تي .
كان أول ظهور واختبار حقيقي لها على خشبة المسرح من خلال أعمال بارزة مثل مسرحية «سر شهرزاد» للمخرج بهنام ميخائيل، ومسرحية «البستان» تأليف وإخراج طه سالم ثم قدمت عشرات الأعمال المسرحية المهمة مع كبار المخرجين، وتألقت بشكل لافت في أعمال المخرج الراحل قاسم محمد مثل مسرحيتي «طال حزني وسروري في مقامات الحريري» و»العابدين»، وحازت بفضل أدائها المتميز فيهما على جائزة أفضل ممثلة لعام 1982. لكن يبقى مسلسل ”تحت موسى الحلاق” هو العمل الأبرز الذي شهد نجومية الفنانة سناء سليم والذي ضم ابرز نجوم الكوميديا العراقية آنذاك، وهما : سليم البصري ”رحمه الله”، وحمودي الحارثي. كما قدمت للتلفزيون سهرة ” ست كراسي “مع نجم الكوميديا خليل الرفاعي، فقد شقت الفن بكل جوارحها، وأعطته كل ما تملك لتحصد بعد ذلك مشاعر ومحبة الالاف، بل الملايين من جمهورها الذي التصقت شخصية ” نجلة ” زوجة عبوسي ”حمودي الحارثي” في المسلسل الشهير ”تحت موسى الحلاق” في ذاكرته حتى بعد مرور اكثر من خمسة عقود من الزمن.. انها الفنانة الرائدة والقديرة سناء سليم.
لقد عاشت الرائدة المسرحية الفنانة سناء سليم مع هذه الأسماء البراقة واستطاعت ان تضع لاسمها مكانة يليق بها كفنانة وإنسانة. كما أن سناء ابنة جيلها الفني، ومن ثم فهذه الشمولية الفنية التي تتمتع بها كانت نتيجة مناخ ثقافي عالي المستوى شهده العراق في الستينيات والسبعينيات. فهي ترى أن الوسط الفني في الستينيات والسبعينات كان أجمل بكثير من اليوم، وكانت العلاقات والصداقات في الوسط الفني جميلة ونقية ولم تكن المادة مهمة في حياة الفنان، فقد كان يمثل لأنه يحب التمثيل.
وتضيف “لا يزال الفن بخير، ولكن تتمنى أن يعود مستوى مسرح الستينيات، وتعود جماهير المسرح من المجتمع العراقي إلى شغف المتابعة». لهذا فإن الحنين للبدايات منذ دخولها عالم الفن، حيث كان «للفنان وجيه عبد الغني الأستاذ والمعلم والمربي الفضل في دخولها عالم التمثيل. فقد استطاع هذا الفنان الكبير وجيه عبد الغني «كما تقول» مدرسة في التمثيل والأخلاق بالمسرح ، إنه يستحوذ على جمهور واسع النطاق من خلال تلقائيته في الاداء، انه مدرسة صعبة التقليد نالت اعجاب جمهوره والذي كان يتابع جميع اعماله المسرحية بشغف قل نظيره، ولهذا برز نجمه وسطع اسمه في الستينيات في جميع اعماله والتي تميزت بالابداع والمهارة الحرفية في التمثيل، مسرحيات واقعية استطيع ان اوعز نجاح معظمها الى تفاعله ومن خلال شخصيته الرئيسية والتي يساعد ومن خلالها على اضفاء روح النكتة والتي يفاجئ تلامذته وزملاءه على خشبة المسرح من ابتكار حوار ارتجالي من صلب واقع مسار الحدث العام للعرض المسرحي، ليزيد من كوميدية الطرح مما يجعل الجمهور يصفق مرارا لإعجابه بما يقدمه هذا النجم اللامع.
قدمت للمسرح عشرات الاعمال الفنية المميزة، ومنها : مــــسرحــــية “ ضباب ابن الارث” الـــتــــي اخرجها الراحل وجيه عـــــبد الغني وكانت باكورة أعمالها الفنية مســـــرحــــية (البستان) من تأليف واخراج طه سالم ومسرحية (ام المقاتلين) لفتحي زين العابدين ومقامات الحريري لـ لمخرج الكبير قاسم محمد.
شاركت في أكثر من 50 إلى 60 عملاً درامياً وتلفزيونياً، شملت أعمالاً عراقية وعربية مشتركة ومسلسلات بدوية. ونالت جائزة «أفضل ممثلة» عام 1982 بجدارة عن أدائها في مسرحيتي (أم المقاتلين) و(مقامات الحريري)، حيث حصلت على أفضل ممثلة عام 1982 بجدارة في هاتين المسرحيتين .
ولها اعمال كثيرة منها مسلسلات ومنها تمثيليات قصيرة وكذلك شاركت في تقديم بعض البرامج. اما التلفزيون فكانت لها مشاركات في البرامج وكان التلفزيون يعرض الكثير من المسلسلات التي شاركت بها .
والحقيقة عاشت الفنانة القديرة سناء في عائلة متشددة تعيش التقاليد الاجتماعية الكاملة، فقد كان ابوها أكثر المتشددين لقضايا الفن والأمور التي يراها لا تنسجم مع تقاليد العائلة وكانوا جميعا لا يستطيعون ان ننفذ بعض رغباتهم الفنية، فسماع الأغاني يعني عنده الخروج عن المألوف. أما مسالة التمثيل فهذا يعني خلق مشكلة كبيرة . أما بالنسبة لها فقد كانت محبة لسماع الراديو خلسة لتستمع الى أغاني عبد الحليم وفريد وغيرهم .
وكانت تتابع التلفزيون وتشاهد المسلسلات وتعجب ببعض الممثلين وكيفية أدائهم الأدوار لم يكن ابي يعرف بذلك، وكانت مسألة مفاتحته رغبتها في المشاركة ببعض الفرق تعني مشكلة وربما كارثة ستنخلق داخل الأسرة .
لفد كانت المرأة العراقية التي قدمت الكثير من التضحيات، وسطرت على أعظم البطولات النابعة أولا من تاريخ العراق الضارب في العراقة، وثانيا من تنوعه الذي أضفى مزيدا من الثراء، وهنا حينما نقدم فنانة راقية رائدة مثل سناء سليم ولو بقراءة مختصرة لسيرة منجزها وأثرها في الوسط الفني بالعراق، كان ولابد ان نمر على حياة مجموعة من الفنانات يفخر بهن التاريخ، وما أصعب أن تختزل الفنان او حتى الارشيفي عن حياة الانسان في مقالة، فكيف إذا كن رائدات، لهن أدوار بارزة في الحياة الاجتماعية بالعراق.
الفنانة سناء أحبت التمثيل وهي صغيرة ولكن ليس لديها جرأة بمفاتحة والدها نتيجة معرفتها برغباته، وفي يوم من الايام حاولت ان تستعين بزوج خالتها الذي كان اكثر انفتاحا، ففاتحته برغبتها في التمثيل فشجعني ومرت الايام فعرف الوالد برغبتها في التمثيل من خلال اعلان تلفزيون عندها حاولت ان تفاتح ابيها فلم تحصل منه على موافقة كاملة، وبعد يومين تم الاتصال بها من قبل الفرقة فذهبت اليهم خلسة وتم اختباريها فكانت الموافقة التي لم تكن تتوقعها بتلك السرعة بعد ايام عرف والدها، فغضب اولا ثم حاولت اقناعه بمساعدة زوج اختها واستمر الحال بحمد الله وتوفيقه.
تقول الفنانة سناء نفسها: لم أكن غريبة على المشاهد العراقي فقد ادت العديد من الادوار المسرحية والتمثيلية التلفزيونية ومسرح الأطفال، وأنا فنانة عشقت الفن والتحقت بالفرقة القومية للتمثيل منذ عام 1968، بسيطة وشفافة، يطغى الخجل عليها، في جوهرها تجد الفنانة الملتزمة التي يسعى اليها المخرجون ولا تطـالب أحدا بــدور، كانت مواظبة على الحضور. دخلت برغبتي لان رغبتي كانت قوية حين قرأت إعلان طلب ممثلات للفرقة القومية للتمثيل عام 1968 ، قلت لوالدي فرفض رفضا قاطعا .. اثناء الاختبار طلب مني تقديم مشهد صامت فمثلت ، ثم أغنية فغنيت لمائدة نزهت (يكاتم الاسرار)، ثم اقترب مني شخص عرفته في حينها هو الأستاذ بهنام ميخائيل فقد كان يقدس الفن ثم قال : اريد منك ان تصيحي بصوت عال جدا (تعال هسه أريدك تجي بسرعة) بعدها تهامس مع الفنان الراحل حقي الشبلي، ثم قال مع السلامة الأسماء ستظهر على باب الدائرة وكان اسمي ضمن المقبولين فدخلت عالم التمثيل بنفسي فليس لأحد فضل علي.
وربما ان شخصية نجلة مازالت عالقة بذاكرة الجمهور العراقي تلك الشخصية التي مثلتها في المسلسل الشهير (تحت موس الحلاق) والذي مثلت فيه دور نجلة، تلك القصة التي كان يبحث عنها الفنان حمودي الحارثي «عبوسي» وكان هذا الدور من الأدوار المهمة الذي من خلاله عرفني الجمهور. لكن المسرح عند الرائدة سناء سليم هو مدرسة الشعب كما يقال، ومن خلاله تتطور المجتمعات وتشخّص الأخطاء، ليتنفس المجتمع الصعداء. والعمل بالمسرح صعب جدا، فأنا لا أتكلم عن الأعمال التجارية من رقص وغناء والجمل التافهة والمتداولة، لكنني أتكلم عن المسرح العراقي الأصيل والعربي، والعالمي الفكري.
إذن للمسرح رهبة في نفسها لان الفنان سيلتقي بشكل مباشر مع الجمهور الذي يتابعه وينتظر منه أداءً جيدا، اضافة الى أن المسرح التزام يومي يتطلب حضور الفنان يومياً ليعتلي خشبة المسرح، بينما في السينما والتلفزيون يختلف الامر، فالمشاهد التي يجري تصويرها تكون ضمن مواعيد ومبرمجة وتخضع لمونتاج، لكن والحق يقال ان ما تشتغله في 25 يوما في التلفزيون يعادل 25 سنة في المسرح، واعتقد ان الوقت الحاضر هو عصر الفضائيات التي اصبحت الاوسع انتشاراً للفنان من المسرح.
وعندما يمارس الفنان الاجناس الفنية المتنوعة «إذاعة والتلفزيون ومسرح وسينما» لابد ان يكون هناك جنس فني يرهب الفنان، فأي من الاجناس السينما او التلفزيون او المسرح الذي يدخل الرهبة عند فنانة عاشت مع كبار المسرحيين العراقيين، وربما هذا سؤال يتردد عليها كونها مارست كل جناس العمل الفني كممثلة ، فالعمل في التلفزيون هناك كوادر تهيأ لك الجو حتى تقول جملتك التمثيلية كذلك في التلفزيون، لكن خشبة المسرح لها قدسية ترهب كل فنان مهما كانت مقدرته الفنية عالية، كذلك الاشتراك في العلاقة طول فترة العرض بأداء الممثلين الاخرين بنفس التوقيت والمستوى الادائي، فكما نعلم فالخوف الوحيد هو الوقوف على خشبة المسرح امام المتلقي، خاصةً أن المسرح العراقي الذي يعتمد على طرق كلاسيكية في التمثيل يكون محورها الرئيسي الممثل نفسه، فلا يوجد ملقن كما يوجد في بعض المسارح الاخرى، وايضا، الممثل العراقي هو الوحيد الذي لا يوفر له المخرج المايك (الاجهزة اللاقطة) بل الممثل يعتمد على تقنياته الصوتية والجسدية في ايصال الحدث للمشاهدين لذلك العمل.
فهي تستمتع بالعمل العراقي اليوم عبر شاشة التلفزيون رغم بعدها، خاصةً بعد ان شاهدت مؤخرا بعض الاعمال التي تستحق المشاهدة، اعمال لطيفة وأفضل من غيرها وفيها جهد كبير في الاداء والنص والاخراج، لذلك كل الذي يقدم لا يقاس بالماضي.. لان فناني الماضي رسموا اعمالهم بريشة وتجمعت الريش لتصنع عملا كبيرا.
وتسرد الفنانة سناء عن مرحلة ما بعد التغيير فتقول : أود أن أوضح أن قناة العراقية هي من انتشلت الدراما العراقية ووضعتها بمكان يليق بها وأنعشت الفنان العراقي من خلال الأعمال التي أنتجتها وهذا بالتأكيد عامل مهم جدا لديمومة العمل الفني .
وتعترف الفنانة الرائدة سناء ان المسرح العراقي الذي ولد بعيدا عن عوالم الحرفة والارتزاق، كان قريبا جدا من عوالم الادب والجمال مشتغلا على مفاهيم حساسة في الحياة اليومية العراقية، الوطن والوطنية والاستقلال.. ومنذ عقود كانت للمسرح العراقي وخاصة الفرقة القومية للتمثيل بصمة واضحة وبارزة في الحركة الفنية العراقية.
ومنذ انطلاق الفرق المسرحية في ستينيات القرن الماضي التي كان نجومها هم نخبة الفن العراقي، استقطبت تلك الفرق جمهورها من مختلف الشرائح والاتجاهات، بما قدمته من عروض مسرحية سبرت أغوار المجتمع العراقي وارتقت بذائقة المشاهد وحسِّه الفني، فكانت دليلاً حياً على رصانة ما يقدم.
لكن وبعتب وحزن تقول الرائدة سناء: ان الوسط الفني اليوم يعاني دخول الغرباء والطارئين، الذين يحتاجون إلى غربلة، ووضعهم تحت الاختبار، من أجل اختيار الأفضل بحسب الكفاءة، والمقدرة في التمثيل، شريطة المتابعة، والعمل على تقديم النص الجيد، والنظيف بعيداً عن الخدش والكلام الجارح. وكما في الدراما، فإن المسرح هو أيضا يشهد وجود كم هائل من الطارئين، لكن بالجهد والنضال سيعود المسرح العائلي، والمنضبط إلى دوره المتميز الفعال.
إن الحديث عن فنانة راقية فنا وسلوكا، لا ينفصل عن تاريخ الدراما العراقية ذاته، فهي واحدة من أولئك الذين لم يمرّوا مروراً عابراً، بل تركوا أثراً واضحاً في كل محطة، فبين المسرح والتلفزيون والإذاعة ظلت حاضرة بصوتها وصورتها وبروحها التي لم تساوم على قيمة اعمالها ، لتبقى تجربتها شاهداً على زمنٍ من العطاء الصادق والالتزام الفني العميق.
كما لم تكن مسيرتها مجرد تنقّل بين أدوار، بل كانت مشروعاً فنياً متكاملاً، فاختارت أدوارها بعناية، ومنحت كل شخصية بعداً إنسانياً يلامس وجدان الجمهور، وعلى امتداد هذه الرحلة، لم تكتفِ بالوقوف أمام الكاميرا أو على خشبة المسرح، بل كونت علاقات محبة مع زملائها فترعى خصوصيتهم بفرحهم ومرضهم وهذا ما تجلى بوضوح مع صديقة عمرها الفنانة الكبيرة الرائدة الراحلة سليمة خضير .
بعد كل هذا التأريخ الناصع تعاني الفنانة القديرة والكبيرة من الاهمال والتهميش، وقد يكون السبب هو عدم معرفتها فن العلاقات، و ”الاخوانيات” كما يفعل البعض، لا تعرف طرق الابواب، بل تنتظر من يطرق بابها ويقدر قيمتها الفنية التي تستحقها، ليعيد إليها ألقها وحيويتها، لاسيما وهي من أكثر الفنانات التزاما واحتراما للعمل الفني.
سناء سليم …فنانة من الجيل الذهبي الذي لا يتكرر، وتعتز بتاريخها الطويل وبانتمائها الأصيل للفرقة القومية والدراما العراقية، ودائماً ما تؤكد في لقاءاتها على وفائها للمسرح والشاشة، نافيةً شائعات الاعتزال لتظل حاضرةً في وجدان الجمهور العراقي والعربي كرمز من رموز العطاء الفني الراقي.