رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
“اللغة ولغة الدين”: سَيرٌ في عالم جمال لغتنا العربية


المشاهدات 1114
تاريخ الإضافة 2026/10/25 - 10:08 PM
آخر تحديث 2026/10/26 - 11:08 AM

حين تفتح كتاب «اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية»، الصادر حديثًا عن مركز دراسات فلسفة الدين ودار نابو في بغداد، تشعر أنك لا تقرأ بحثًا أكاديميًا جافًا، بل تسير مع مؤلفه في دروب العربية، تلك اللغة التي تتسع للإشارة أكثر مما تتسع للتصريح، وتقول بالرمز ما تعجز عنه العبارة المباشرة.
ينطلق الرفاعي من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: كيف يتحدث الإنسان عن الله والغيب؟ وهل تخضع نصوص الكتب السماوية لمنطق اللغة العرفية، أم لها منطقها الداخلي الخاص؟ وللإجابة يقيم تمييزًا لافتًا بين «لغة الدين»، اللغة الرمزية الجمالية التي نصغي فيها للصوت الإلهي في حضوره الأول، و«اللغة الدينية» التي صاغتها المؤسسة عبر قرون من الفقه وعلم الكلام، فانتهت أحيانًا إلى قوالب مغلقة تُفرغ الغيب من رموزه وتحوّله إلى مسلّمات محنّطة.
ما يمنح الكتاب نكهته الخاصة أن مؤلفه يكتب من داخل العربية لا من خارجها؛ فقد تدرّج في دراسة النحو والبلاغة في الحوزة من «الآجرومية» إلى «شرح ابن عقيل» و«مختصر المعاني»، ودرّس أغلب هذه المتون، ثم انفتح على اللسانيات وفلسفة اللغة الحديثة. لذلك يأتي الكتاب لقاءً بين ذائقة تراثية مرهفة ووعي منهجي معاصر.
غير أن القارئ يخرج من الكتاب مثقلًا بسؤال مؤلم: لماذا تبقى مكتبتنا العربية فقيرة في هذا الحقل؟ فالرفاعي يعترف بأنه لم يعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين، وأن هذه الدراسة ما تزال منسية في جامعاتنا. وهنا تبرز معضلة الترجمة بوجهيها: نقل هذا الحقل إلى العربية بمصطلحات دقيقة لا يكتنفها الإبهام، ونقل ثراء العربية الرمزي إلى اللغات الأخرى دون أن تتحول الترجمة الحرفية إلى خيانة للمعنى.
يبقى الكتاب، في امتداده لمشروع المؤلف من مجلة «قضايا إسلامية معاصرة» إلى «موسوعة فلسفة الدين»، دعوة صادقة لأن نعيد اكتشاف لغتنا، لا بوصفها أداة للتلقين، بل أفقًا يتخلّق فيه المعنى، ويتسع فيه الفهم لتعدد القراءات واختلاف الرؤى.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير