
طالب كريم
صدر حديثاً عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار الجزء الأول من الموسوعة الإعلامية «شهادات وحوارات من مسيرة الإعلام العراقي» للكاتب والإعلامي جمال الشرقي، ضمن سلسلة موسوعة إعلامية، في عمل توثيقي يستعيد محطات مهمة من تاريخ الإذاعة والتلفزيون العراقيين، ويسلط الضوء على تجارب روادهما والعاملين فيهما.
وتأتي هذه الموسوعة محاولةً لحفظ الذاكرة الإعلامية العراقية وتوثيق جهود أجيال من المذيعين والمخرجين والمحررين والفنيين ومهندسي البث، إلى جانب الكتاب والممثلين ومعدّي البرامج والمبدعين الذين أسهموا في إثراء المشهد الإذاعي والتلفزيوني، وتركوا بصماتهم في وجدان الجمهور العراقي. ولا يقتصر الكتاب على استعادة الأسماء والتجارب المهنية، بل يقدم شهادات وحوارات تستحضر ظروف العمل الإعلامي وتفاصيله، وتكشف جوانب من التجربة الإنسانية والإبداعية التي رافقت مسيرة الإذاعة والتلفزيون، بما يمنح الباحثين والمهتمين بتاريخ الإعلام مادة توثيقية تستند إلى الذاكرة الحية وشهادات أصحاب التجربة.
لقد تناولت الموسوعة ثلاثة محاور رئيسية سعت من خلالها إلى إنصاف من لم ينصفهم الضوء، وهذا السعي للإنصاف هو القيمة الأخلاقية الكبرى للكتاب قبل قيمته التاريخية.
المحور الأول هو العاملون في الإذاعة الرسمية والتلفزيون من المذيعين والمخرجين والفنيين والمحررين ومهندسي البث. هؤلاء هم قلب الإعلام النابض وهم الذين يذكر التاريخ عادة واجهتهم وينسى تضحياتهم..
والمحور الثاني هو الكفاءات المتعاونة والمبدعون خارج الهيكل الرسمي من معدي البرامج والممثلين والكتاب والمخرجين إلى من أثروا الشاشة والمذياع بإسهاماتهم في الدراما والفن، وهذا المحور هو الذي يجعل الموسوعة منصفة حقاً، لأن تاريخ الإعلام العراقي لم تكتبه الملاكات الرسمية وحدها، بل كتبه أيضاً ذلك الكاتب الذي جاء بنص مسرحي من بيته وذلك الممثل الذي أضحك الملايين، وذلك المعد الذي ابتكر فكرة برنامج ثقافي وظل اسمه في الظل.
أما المحور الثالث فهو الأثر العلمي والتوثيقي للمستقبل، فهذه الموسوعة ليست مجرد سرد لسير الأفراد بل هي مرجع مهم للباحثين والدارسين. وهنا تكمن أهميتها التي تتجاوز الوفاء إلى التوثيق العلمي. فكليات الإعلام وطلبة الدراسات العليا والمؤرخون الذين سيكتبون تاريخ العراق المعاصر سيجدون في هذه الشهادات والحوارات مادة أولية لا توجد في أي أرشيف رسمي، لأنها تاريخ شفاهي يروي ما لم تروه الوثائق.
وتنبع أهمية هذا الإصدار من اهتمامه بتوثيق جهود شخصيات أسهمت في بناء الإعلام العراقي، بعضها لم ينل ما يستحقه من حضور في الكتابات التي تناولت تاريخ هذه المهنة، الأمر الذي يجعل الموسوعة إضافة إلى المكتبة الإعلامية العراقية ومرجعاً يمكن أن يفيد الدارسين وطلبة الإعلام والباحثين في تاريخ الثقافة والاتصال.
ويؤكد هذا العمل أهمية صون الذاكرة المهنية للأجيال التي أسهمت في صناعة الخبر والبرنامج والدراما والأغنية، وتقديم تجاربها إلى الأجيال الجديدة بوصفها جزءاً من تاريخ العراق الثقافي والإعلامي.
يقع الكتاب في 584 صفحة من القطع الكبير، وصممت غلافه زينب مهدي حسن .