
ليست رحلة الدكتور محمد حسين الطريحي رحلة شاعر يطارد قصيدته فحسب، بل مسيرة مثقف عراقي جعل من اللغة جسراً بين الذاكرة والإبداع ومن الشعر نافذة لاستكشاف الإنسان وتحولاته. فمن الكوفة التي أنجبت علماء اللغة وشعراء العربية الكبار انطلقت علاقته بالموروث الشعري، لتتسع لاحقاً عبر البحث الأكاديمي والإذاعة والتلفزيون والعمل الثقافي في مؤسسات عربية ودولية. جمع الطريحي بين كتابة الشعر ودراسة إيقاعاته وصوره وبين محاورة أعلامه الكبار، وفي مقدمتهم محمد مهدي الجواهري، كما انشغل بتطوير طرائق تعليم اللغة والعروض، مقدماً مشاريع تستثمر التكنولوجيا في استكشاف أسرار النصوص، وفي مقدمتها العروض الذكي والجينوم اللغوي والشعري.
في هذا الحوار مع الزوراء نستعيد محطات من تجربته الإبداعية والأكاديمية والإعلامية، ونتوقف عند رؤيته للحداثة الشعرية ومستقبل العربية في عصر الرقمنة.
الكوفة وتكوين الوعي الشعري
* ولدت في الكوفة عام 1960، ماذا منحتك هذه المدينة التي تختزن تاريخاً لغوياً وشعرياً عريقاً؟
ــ الكوفة مدينة العلماء والشعراء والنحويين، وفي تاريخها أسماء مثل دعبل الخزاعي والمتنبي والكسائي والفراء.
لقد أسهمت في تعميق علاقتي باللغة والشعر والتاريخ، وجعلتني أشعر بأنني امتداد لتراث إبداعي كبير ومسؤول عن صون حضوره.
* درست اللغة العربية ثم تعمقت أكاديمياً في موسيقى الشعر وصوره. هل غير البحث العلمي علاقتك بالقصيدة؟
ــ لم يغير البحث الأكاديمي نظرتي إلى الشعر بقدر ما حفزني على التعمق في أسراره الجمالية. فقد فتحت دراسة الماجستير أمامي آفاقاً جديدة، وجاءت الدكتوراه امتداداً طبيعياً لمحاولة اكتشاف المناطق الخفية في الشعر العربي.
* تتكرر ثيمة الحب في عناوين دواوينك مثل البقاء للحب وعند منتصف القلب والشمس الممزقة. كيف تتجلى تجربتك الإنسانية في هذه الأعمال؟
ــ تعكس هذه العناوين جوانب من تجاربي الإنسانية الواقعية. فالحب عندي موضوع جمالي أحياناً، ورؤية فلسفية أحياناً أخرى، تتداخل فيها المشاعر مع أسئلة الإنسان وصراعه مع تقلبات الحياة.
المتنبي والجواهري وأسئلة الحداثة
* انتقلت في دراساتك من موسيقى المتنبي إلى الصورة الشعرية عند خليل حاوي وأدونيس. ماذا أردت اكتشافه بين التجربتين؟
ــ وجدت في البنية الموسيقية لشعر المتنبي عنصراً أساسياً من عناصر تميزه، بينما اتجه شعر الحداثة إلى تكثيف الصورة الشعرية. وأرى أن الحداثة لم تحافظ دائماً على صلتها العميقة بالتراث، بل اكتفت أحياناً باستحضار رموزه وأسمائه في العناوين والإشارات.
* حاورت كبار الشعراء العرب، ومنهم الجواهري والبياتي ومظفر النواب وأدونيس والفيتوري ولميعة عباس عمارة. ما السؤال الذي ظل يشغلك في تلك اللقاءات؟
ــ كنت وما زلت أبحث عن آليات كتابة الشعر وأسرار النظم. ولكل شاعر طريقته الخاصة، لكن ثمة مشتركات تجمع الشعراء في صناعة القصيدة. ويبقى حواري مع شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري من أهم اللقاءات التي أعتز بها.
* تحتفظ بتسجيل صوتي غير منشور لحوار طويل مع الجواهري في دمشق. ما أهمية إخراج هذه التسجيلات إلى الجمهور؟
ــ التسجيلات الصوتية مسؤولية تاريخية وأدبية، لأنها تحفظ أصوات المبدعين وأفكارهم وتوثق علاقاتهم الثقافية والإنسانية. ونشرها يمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى رموز الشعر العربي من خلال شهاداتهم المباشرة.
* هل كانت القصيدة العربية الحديثة مرآة للتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي؟
ــ كان الجواهري يستحضر الجمهور وهو ينظم قصائده، فيما اتجه بعض شعراء الحداثة إلى الكتابة عن ذواتهم وتجاربهم الخاصة. وحين تحضر التحولات التاريخية في بعض النصوص الحديثة، فإنها تأتي أحياناً متأثرة بمواقف أيديولوجية محددة.
من الميكروفون إلى صناعة الوعي الثقافي
* عملت مذيعاً لنشرة الأخبار في تلفزيون بغداد بين عامي 1986 و1991. كيف أسهم الإعلام في تكوين شخصيتك الثقافية؟
ــ منحتني التجربة الإذاعية والتلفزيونية خبرات متنوعة، سواء في التقديم أم التحرير وإدارة الأخبار. وعلمتني الشاشة أن التواصل مع الناس مسؤولية مختلفة، أساسها احترام الجمهور ومحبتُه وتقديم المعرفة إليه بوضوح.
* في برنامجك الإذاعي في «مكتباتهم الشخصية» استضفت أعلاماً مثل علي الوردي وبهجت الأثري وعبد الرزاق الحسني وحسين علي محفوظ والجواهري. ماذا كشفت لك مكتباتهم؟
ــ الكتب بساتين العلماء ومفاتيح عقولهم، والمكتبة تكشف اهتمامات صاحبها وطريقة تفكيره. وأرى أن إعادة تقديم برنامج كهذا يمكن أن تسهم في استعادة علاقة القارئ بالكتاب، وتعريف الأجيال بسير المبدعين ومؤلفاتهم.
* تنقلت في عملك بين عواصم عربية وأوروبية وواشنطن. كيف يمكن للإعلام والثقافة تقديم صورة العراق الحقيقية إلى العالم؟
ــ يستطيع المثقف العراقي ترسيخ صورة بلده من خلال إبداعه وجهده. وتؤدي الثقافة والفنون دوراً مهماً في تغيير الصور النمطية، شرط أن يساندها إعلام عراقي يوثق المنجزات الحضارية والثقافية وينقلها إلى الجمهور.
* توليت إدارة المركز الثقافي العراقي في واشنطن بين عامي 2011 و2015. كيف قدمت الثقافة العراقية إلى جمهور متعدد الخلفيات؟
ــ لم تكن المهمة سهلة، لكن خبرتي الإعلامية ساعدتني على بناء جسور للتفاهم. ركزت على الرموز التاريخية والحضارية العراقية، واستخدمنا المواد التوثيقية والأفلام والصور والمجسمات الفنية للتعريف بمنجزات العراق.
* كيف تقيم أداء المذيع العراقي اليوم في ظل التحولات الرقمية؟
ــ أتمنى أن يستعيد المذيع المعاصر بعض معايير الرواد الذين جمعوا بين سلامة اللغة والثقافة الواسعة والحضور الشخصي. فقد أسهمت شروط الاختيار المهنية الصارمة في صناعة مذيعين متميزين، وأرى أن هذه المعايير لم تعد تحظى بالاهتمام الكافي.
العروض الذكي وتجديد تعليم العربية
* قدمت مشروع العروض الذكي لتيسير تعلم أوزان الشعر. كيف يمكن تخليص العروض من صورته المعقدة لدى الطلبة؟
ــ أردت أن يتعلم الطالب العروض برغبة ومتعة، من خلال الترديد والإنشاد الجماعي. فالتفاعل السمعي مع الأبيات يساعده على اكتشاف الوزن وتمييز البحر الشعري بالتدريب، من دون أن تثقل عليه المصطلحات والقواعد منذ البداية.
* كيف أسهمت رحلتك مع قافلة من الإبل باتجاه النيجر في تفكيرك بإيقاعات الشعر العربي؟
ــ قادني التأمل في الرواية التي تربط الشعر بحنين الإبل إلى خوض تجربة ميدانية لاكتشاف العلاقة بين حركة الإبل والحداء والأوزان الشعرية. وقد توصلت من خلال تجربتي إلى تصورات عن صلة الإيقاعات بحركة الحيوان، أرى أنها تستحق البحث والمناقشة الأكاديمية.
* وماذا عن مشروع النحو الإعلامي ؟
ــ أرى أن طرائق تدريس النحو ينبغي أن تتطور لتواكب التكنولوجيا والرقمنة. وقد أعددت منهجاً يهدف إلى استعادة السليقة اللغوية وتوظيف أدوات تساعد الطالب على تجاوز الصعوبات الدراسية، مع المحافظة على دقة العربية.
* تعمل على مشروع الجينوم اللغوي والشعري. ما الذي يميزه عن أساليب التحليل التقليدية؟
ــ يقوم المشروع على جعل الطالب شريكاً في العملية التعليمية تحت إشراف الأستاذ. فمن خلال برنامج وورد والترميز اللوني وخوارزميات الجينوم اللغوي، يستطيع المتعلم استكشاف بنية القصيدة والنص النثري والتفاعل مع آليات بنائهما بدلاً من الاكتفاء بتلقي المعلومات.
* طرحت أيضاً فكرة العيادة الشعرية. كيف تنظر إلى توظيف الشعر في المجال النفسي؟
ــ أرى أن الشعر والموسيقى يمتلكان أثراً وجدانياً مهماً، ويمكن توظيفهما في تعزيز الحالة الإيجابية. لكن اختيار النصوص في التطبيقات العلاجية ينبغي أن يستند إلى تشخيص متخصص، ويمكن للمؤسسات الثقافية الإفادة من الشعر ضمن برامج المعرفة والتواصل الإنساني.
الجامعة والمهرجانات والذاكرة الثقافية
* عملت في جامعات ومؤسسات ثقافية في بلدان متعددة، وأسهمت في إدارة النشر وتحرير مجلة الخليل. ما أبرز ما كشفته لك هذه التجارب؟
ــ لكل تجربة خصوصيتها، وقد لاحظت تفاوتاً بين الجامعات في الاهتمام بالتدريس والبحث العلمي. فالجامعة التي تهمل البحث والمختبرات تضعف فرصها في التقدم، بينما يتطلب التطور تشجيع الابتكار واحتضان الباحثين الشباب ومواكبة التحولات التكنولوجية.
* كيف ترى واقع المهرجانات الشعرية والثقافية العربية اليوم؟
ــ أرى أن بعض المهرجانات فقد جانباً من أهميته بسبب المجاملات في اختيار المشاركين، الأمر الذي انعكس على التفاعل الجماهيري. وهي بحاجة إلى مراجعة جادة تجعلها منصات لإنتاج المشاريع الفكرية والمعرفية ذات الأثر المجتمعي.
مستقبل القصيدة في زمن التكنولوجيا
* بعد هذه المسيرة التي جمعت الشعر والبحث والإعلام، ما المشروع الذي تتمنى أن يبقى للأجيال المقبلة؟ وكيف ترى مستقبل العربية والشعر في عصر الذكاء الاصطناعي؟
ــ أتمنى أن يترك مشروع الجينوم اللغوي أثراً يفتح أمام محبي العربية مسارات جديدة للتعلم والاكتشاف.. إن مستقبل الشعر مرتبط بمستقبل اللغة وعلاقتها بالتكنولوجيا، وابتكار البرامج والتطبيقات اللغوية هو ما يعزز حضور العربية في مختلف مجالات الحياة.
وهكذا يواصل الدكتور محمد حسين الطريحي رحلته بين القصيدة ومختبر اللغة وذاكرة الإعلام، مؤمناً بأن التراث لا يكتمل حضوره بمجرد استعادته، بل يتجدد حين يصبح أساساً للمعرفة والابتكار.
وبين الجواهري الذي حفظت تسجيلاته صوته وأفكاره، والجينوم اللغوي الذي يتطلع إلى فتح آفاق جديدة أمام الدارسين، تتجلى محاولة لربط ذاكرة الشعر العربي بأسئلة المستقبل.